الذهبي
195
سير أعلام النبلاء
وقصد بغداد ، ووصل بوادره إلى حلوان فأهلكهم ببلخ ، دام عشرين يوما واتعظوا بذلك ، وجمع الناصر الجيش ، وأنفق الأموال ، واستعد ، فجاءت الاخبار أن الترك قد حشدوا ، وطمعوا في البلاد ، فكر إليهم ( 1 ) وقصدهم فقصدوه وكثروه إلى أن مزقوه ( 2 ) ، وبلبلوا لبه وشتتوا شمله ، وملكوا الأقطار ، وصار أين توجه وجد سيوفهم متحكمة فيه ، وتقاذفت به البلاد ، فشرق وغرب ، وأنجد وأسهل ، وأصحر وأجبل ، والرعب قد زلزل لبه ، فعند ذلك قضى نحبه . قلت : جرى له ولابنه منكوبرتي عجائب وسير ، وذلك عندي في مجلد ألفه النسوي كاتب الانشاء ( 3 ) . قال الموفق : وكان الشيخ شهاب الدين السهروردي لما ذهب في الرسالة خاطب خوارزم شاه محمدا بكل قول ، ولاطفه ، ولا يزداد إلا عتوا ( 4 ) ، ولم يزل الناصر في عز وقمع الأعداء ، ولا خرج عليه خارجي إلا قمعه ، ولا مخالف إلا دمغه ، ولا عدو إلا خذل ، كان شديد الاهتمام بالملك ، لا يخفى عليه كبير شئ من أمور رعيته ، أصحاب أخباره في البلاد ، حتى كأنه شاهد جميع البلاد دفعة واحدة ، كانت له حيل لطيفة ، وخدع لا يفطن إليها أحد ، يوقع صداقة بين ملوك متعادين ، ويوقع عداوة بين ملوك متوادين ولا يفطنون .
--> ( 1 ) يعني خوارزمشاه . ( 2 ) في تاريخ الاسلام : " فقصدهم فقصدوه ثم كايدوه وكاثروه " . ( 3 ) هو شهاب الدين محمد بن أحمد النسوي ، وكتابه هو " سيرة السلطان جلال الدين منكوبري " كتبه بعد سنة 639 ونشره حافظ حمدي بالقاهرة سنة 1953 م . ( 4 ) في تاريخ الاسلام : " إلا طغيانا وعتوا " والذهبي - كما هو معروف يتصرف - .