الذهبي
43
سير أعلام النبلاء
إلى أن قال : فعظم شأنه في القلوب ، حتى إن كان ليمر في همذان فلا يبقى أحد رآه إلا قام ، ودعا له ، حتى الصبيان واليهود ، وربما كان يمضي إلى بلدة مشكان يصلي بها الجمعة ، فيتلقاه أهلها خارج البلد ، المسلمون على حدة ، واليهود على حدة ، يدعون له ، إلى أن يدخل البلد . وكان يفتح عليه من الدنيا جمل ، فلم يدخرها ، بل ينفقها على تلامذته ، وكان عليه رسوم لأقوام ، وما كان يبرح عليه ألف دينار همذانية أو أكثر من الدين ، مع كثرة ما كان يفتح عليه . وكان يطلب لأصحابه من الناس ، ويعز أصحابه ومن يلوذ به ، ولا يحضر دعوة حتى يحضر جماعة أصحابه ، وكان لا يأكل من أموال الظلمة ، ولا قبل منهم مدرسة قط ولا رباطا ، وإنما كان يقرئ في داره ، ونحن في مسجده سكان . وكان يقرئ نصف نهاره الحديث ، ونصفه القرآن والعلم ، ولا يغشى السلاطين ، ولا تأخذه في الله لومة لائم ، ولا يمكن أحدا في محلته ( 1 ) أن يفعل منكرا ، ولا سماعا ، وكان ينزل كل إنسان منزلته ، حتى تألفت القلوب على محبته وحسن الذكر له في الآفاق البعيدة ، حتى أهل خوارزم الذين هم معتزلة مع شدته في الحنبلة . وكان حسن الصلاة لم أر أحدا من مشايخنا أحسن صلاة منه ، وكان متشددا في أمر الطهارة ، لا يدع أحدا يمس مداسه ، وكانت ثيابه قصارا ، وأكمامه قصارا ، وعمامته نحو سبعة أذرع .
--> ( 1 ) في ( تذكرة الحفاظ ) 6 / 1324 : ولا يمكن أحدا يعمل في مجلسه منكرا . وما ورد هنا أثبت ، ويقويه ما ورد بعده بقوله ( ولا سماعا ) فمن غير المعقول أن يكون السماع ( أي الغناء ) في مجلس من مثل مجلس الحافظ أبي العلاء .