الذهبي
410
سير أعلام النبلاء
الامر لأجل متابعة السنة ، وهذا حسن لمن قوي ، ولم يؤذه إمامه ، فإن آذاه ، فله ترك السنة ، وليس له ترك الفرض ، إلا أن يخاف السيف . أخبرني ابن رافع أنه قرأ بخط عماد الدين علي بن القاسم الحافظ ترجمة لأبيه ( 1 ) فقال : كان والدي بهاء الدين من الأئمة والعلماء حين بلغ حد السمع ، سمعه عماه الحافظ أبو الحسين ، وأبو عبد الله محمد من المشايخ الأعيان ، ثم قدم أبوه - يعني من الرحلة - سنة ثلاث وثلاثين ( 2 ) ، فأسمعه . إلى أن قال : فتقرب عدة مشايخه من مئة شيخ ، تفرد بالراية عن أكثرهم ، ولم يزل يسمع ، ويكتب ، ويؤلف . قال : وحج في سنة خمس وخمسين ، فسمع بمكة . إلى أن قال : ولولا تبييضه لكتاب التاريخ ، ونقله من المسودة ، لما قدر الشيخ الكبير - يعني والده علي إتقانه ، ولا جوده ، فإنه حين فرغ من تسويده ، عجز عن نقله ، وتجديده ، وضبط ما فيه من المشكل ، وتحديده ، كأن نظره قد كل ، وبصره قد قل ، فلم يزل والدي يكتب ، وينقله من الأوراق الصغار والظهور ، ويهذب إلى أن نجز منه نحو مئة وخمسين جزءا ، وكان بينهما نفرة ، فكان لا يحضر السماع تلك المدة ، فحكى لي والدي ، قال : ضاق صدري ، فأتيت الوالد ليلة النصف في المنارة الشرقية ، وزال ما في قلبه . وسمعت أبا جعفر القرطبي كثيرا يقول عند غيبة والدك عنه : جزاه الله عني خيرا ، فلولاه ماتم التاريخ ، هذا أو معناه .
--> ( 1 ) نقل منها أيضا ابن نقطة في ( التقييد ) . ( 2 ) هذه هي رحلته الثانية وكانت مخصصة لمشرق العالم الاسلامي وقد مر ببغداد عند رجوعه فمكث فيها قليلا ( انظر : ابن عساكر في بغداد ، للدكتور بشار عواد معروف ) .