الذهبي
226
سير أعلام النبلاء
قال : وكان ضنينا بخطه ، حتى إنه كان إذا شهد ، وكتب في فتيا ، كسر القلم ، وكتب به خطا رديا . قلت : درس ، وأفتى ، ودرس بالنظامية بعد أبي الخير القزويني . وروى عنه أبو بكر الحازمي . وعاش نيفا وثمانين سنة . قال الموفق عبد اللطيف بن يوسف : كان رب علم وعمل وعفاف ونسك ، وكان ناعم العيش ، يقوم على نفسه وبدنه قياما حكيما ، رأيته يلقي الدرس ، فسمعت منه فصاحة رائعة ، ونغمة رائقة ، فقلت : ما أفصح هذا الرجل ! فقال شيخنا ابن عبيدة النحوي : كان أبوه عوادا ، وكان هو معي في المكتب ، فضرب بالعود ، وأجاد ، وحذق حتى شهدوا له أنه في طبقة معبد ، ثم أنف ، واشتغل بالخط إلى أن شهد له أنه كتب من ابن البواب ، ولا سيما في الطومار والثلث ، ثم أنف منه ، واشتغل بالفقه ، فصار كما ترى ، وعلم ولدي الناصر لدين الله ( 1 ) ، وأصلحا مداسه ( 2 ) . قال ابن النجار : توفي في ثامن ذي القعدة سنة خمس وثمانين وخمس مئة ، وكان قد خرج في عصر هذا اليوم للصلاة بالجماعة بالرباط ، فلما توجه للصلاة ، عرضت له سعلة ، وتتابعت ، فسقط ، وحمل إلى منزله ، فمات في وقته ، وحضره خلق كثير ، رحمة الله عليه .
--> ( 1 ) وهما الأميران : أبو نصر محمد الذي تولى الخلافة بعد أبيه وعرف بالظاهر ، وأبو الحسن علي الذي مات شابا ، وكان يعلمهما الخط . ( 2 ) فانظر - وفقك الله - إلى مكانة العلماء حينما يقوم أولاد الخليفة المؤهلون لتولي الخلافة بإصلاح مداس أستاذهم ، فأي تقدير بعد هذا ؟ ! رضي الله عنهم .