الذهبي

368

سير أعلام النبلاء

الشيخ عمر الهنتاتي ( 1 ) صادف عبد المؤمن ، فحدثه ووانسه ، وقال : إلى أين تسافر ؟ قال : أطلب العلم . قال : قد وجدت طلبتك . ففقهه ، وصحبه ، وأحبه ، وأفضى إليه بأسراره لما رأى فيه من سمات النبل ، فوجد همته كما في النفس ، فقال ابن تومرت يوما لخواصه : هذا غلاب الدول . ومضوا إلى جبل تينمل ( 2 ) بأقصى المغرب ، فأقبل عليهم البربر ، وكثروا ، وعسكروا ، وشقوا العصا على ابن تاشفين ، وحاربوه مرات ، وعظم أمرهم ، وكثر [ ت ] جموعهم ، واستفحل أمرهم ، وخافتهم الملوك ، وآل بهم الحال إلى الاستيلاء على الممالك ، ولكن مات ابن تومرت قبل تمكنهم في سنة أربع وعشرين وخمس مئة . وكانت وقعة البحيرة بظاهر مراكش بين ابن تاشفين صاحب المغرب وبين أصحاب ابن تومرت في سنة إحدى وعشرين ، فانهزم فيها الموحدون ، واستحر بهم القتل ، ولم ينج منهم إلا نحو من أربع مئة مقاتل ، ولما توفي ابن تومرت كتموا موته ، وجعلوا يخرجون من البيت ، ويقولون : قال المهدي كذا ، وأمر بكذا ، وبقي عبد المؤمن يغير في عسكره على القرى ، ويعيشون من النهب ، وضعف أمرهم ، وكذلك اختلف جيش ابن تاشفين الذين يقال لهم : المرابطون ، ويقال لهم : الملثمون ، فخامر منهم الفلاكي من كبارهم ، وسار إلى عبد المؤمن ، فتلقاه بالاحترام ، واعتضد به ، فلما كان بعد خمسة أعوام أفصحوا بموت ابن تومرت ، ولقبوا عبد المؤمن أمير المؤمنين ، وصارت حصون الفلاكي للموحدين ، وأغاروا على نواحي أغمات والسوس الأقصى ، واستفحل بهم البلاء .

--> ( 1 ) بكسر الهاء وسكون النون وبعد الألف تاء ثانية ، نسبة إلى قبيلة كبيرة من البربر يقال لها : هنتاتة . " اللباب " 3 / 393 . ( 2 ) انظر " وفيات الأعيان " 5 / 55 ، و " معجم البلدان " 2 / 69 .