الذهبي
343
سير أعلام النبلاء
القطن ، ويكتسي منه ، ولا يأكل من مال أحد شيئا ، وكانت له أوقات لا يرى فيها محافظة على أوراده ، وقد طفت معه أياما في سواد الموصل ، فكان يصلي معنا العشاء ، ثم لا نراه إلى الصبح ، ورأيته إذا أقبل إلى قرية يتلقاه أهلها من قبل أن يسمعوا كلامه تائبين رجالهم ونساؤهم إلا من شاء الله منهم ، ولقد أتينا معه على دير رهبان ، فتلقانا منهم راهبان ، فكشفا رأسيهما ، وقبلا رجليه ، وقالا : ادع لنا فما نحن إلا في بركاتك ، وأخرجا طبقا فيه خبز وعسل ، فأكل الجماعة . وخرجت إلى زيارة الشيخ أول مرة ، فأخذ يحادثنا ، ويسأل الجماعة ، ويوانسهم ، وقال : رأيت البارحة في النوم كأننا في الجنة ونحن ينزل علينا شئ كالبرد . ثم قال : الرحمة ، فنظرت إلى فوق رأسي ، فرأيت ناسا ، فقلت : من هؤلاء ؟ فقيل : أهل السنة والصيت للحنابلة ، وسمعت شخصا يقول له : يا شيخ ، لا بأس بمداراة الفاسق . فقال : لا يا أخي ، دين مكتوم دين ميشوم . وكان يواصل الأيام الكثيرة على ما اشتهر عنه ، حتى إن بعض الناس كان يعتقد أنه لا يأكل شيئا قط ، فلما بلغه ذلك أخذ شيئا ، وأكله بحضرة الناس ، واشتهر عنه من الرياضات والسير والكرامات والانتفاع به ما لو كان في الزمان القديم لكان أحدوثة ، ورأيته قد جاء إلى الموصل في السنة التي مات فيها ، فنزل في مشهد خارج الموصل ، فخرج إليه السلطان وأصحاب الولايات والمشايخ والعوام حتى آذوه مما يقبلون يده ، فأجلس في موضع بينه وبين الناس شباك بحيث لا يصل إليه أحد إلا رؤية ، فكانوا يسلمون عليه ، وينصرفون ، ثم رجع إلى زاويته . وقال ابن خلكان ( 1 ) : أصله من بيت فار من بلاد بعلبك ، وتوجه إلى
--> ( 1 ) في " وفيات الأعيان " 3 / 254 .