الذهبي

27

سير أعلام النبلاء

سنة ونصفا ، وقيدوه وغلوه ، وأرادوه على كلمة الكفر ، فأبى ، وتعلم منهم الخط الرومي ، سمعته يقول : من خدم المحابر ، خدمته المنابر ، يجب على المعلم أن لا يعنف ، وعلى المتعلم أن لا يأنف . ورأيته بعد ثلاث وتسعين سنة صحيح الحواس لم يتغير منها شئ ، ثابت العقل ، يقرأ الخط الدقيق من بعد ، ودخلنا عليه قبل موته بمديدة ، فقال : سالت في أذني مادة ، فقرأ علينا من حديثه ، وبقي على هذا نحوا ( 1 ) من شهرين ، ثم زال ذلك ، ثم مرض ، فأوصى أن يعمق قبره زيادة على العادة ، وأن يكتب على قبره : ( قل هو نبأ عظيم أنتم عنه معرضون ) [ ص : 67 و 68 ] وبقي ثلاثة أيام لا يفتر من قراءة القرآن ، إلى أن توفي قبل الظهر ثاني رجب سنة خمس وثلاثين وخمس مئة . وقال السمعاني : ما رأيت أجمع للفنون منه ، نظر في كل علم ، فبرع في الحساب والفرائض ، سمعته يقول : تبت من كل علم تعلمته إلا الحديث وعلمه ، ورأيته وما تغير عليه من حواسه شئ ، وكان يقرأ الخط البعيد الدقيق ، وكان سريع النسخ ، حسن القراءة للحديث ، وكان يشتغل بمطالعة الاجزاء التي معي وأنا مكب على القراءة ، فاتفق أنه وجد جزءا من حديث الخزاعي قرأته بالكوفة على عمر بن إبراهيم العلوي ( 2 ) بإجازته من محمد بن علي بن عبد الرحمن العلوي ، وفيه حكايات مليحة ، فقال : دعه عندي ، فرجعت من الغد ، فأخرجه وقد نسخه ، وقال : أقرأه حتى أسمعه ، فقلت : يا سيدي ، كيف يكون هذا ؟ ! ثم قرأته ، فقال للجماعة : اكتبوا اسمي .

--> ( 1 ) في الأصل نحو ، والصواب ما أثبتناه . ( 2 ) سترد ترجمته في هذا الجزء برقم ( 86 ) .