الذهبي

86

سير أعلام النبلاء

الفقه ، وكان ورعا زاهدا ، متقيا سديد الاحكام ، ولي قضاء القضاة بعد أبي عبد الله الدامغاني مدة إلى أن تغير عليه أمير المؤمنين المقتدي ، فمنع الشهود من حضور مجلسه مدة ، فكان يقول : ما أنعزل ما لم يتحقق علي فسق ، ثم إن المقتدي رضي وخلع عليه ( 1 ) . وشهد عنده المشطب الفرغاني ( 2 ) ، فلم يقبله ، لكونه يلبس الحرير ، فقال : تردني ، والسلطان ووزيره نظام الملك يلبسانه ؟ ! فقال : ولو شهدا ، لما قبلتهما ( 3 ) . قال ابن النجار : تفقه على القاضي أبي الطيب ( 4 ) ، وحفظ تعليقه ، ولم يأخذ على القضاء رزقا ، ولا غير مأكله ولا ملبسه ، وكان يسوي بين الناس ، فانقلب عليه الكبراء ، وكان نزها ورعا على طريقة السلف له كارك ( 5 ) يؤجره كل شهر بدينار ونصف ، كان يقتات منه ، فلما ولي القضاء ، جاء إنسان ، فدفع فيه أربعة دنانير ، فأبى ، وقال : لا أغير ساكني ، وقد ارتبت بك ، هلا كانت الزيادة من قبل القضاء ( 6 ) ؟ !

--> ( 1 ) طبقات السبكي : 4 / 202 - 203 . ( 2 ) هو أبو المظفر المشطب بن محمد بن أسامة بن زيد بن النعمان الفرغاني ، من فرغانة ما وراء نهر جيحون ، كان من فحول المناظرين ، وكانت له يد باسطة في النظر والجدل ، وكان مختلطا بالعسكر ، وكان لا يفارقهم . انظر " الأنساب " : 9 / 275 . ( 3 ) المنتظم : 9 / 96 ، وابن الأثير : 10 / 253 ، والسبكي : 4 / 204 ، 205 ، وفيه عندهم : ولو شهدوا عندي في باقة بقل ، ما قبلت شهادتهما . ( 4 ) هو طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر الطبري البغدادي ، وقد تقدمت ترجمته برقم ( 462 ) في الجزء السابع عشر . ( 5 ) الكلمة فارسية ، ومعناها : البيت كما يفهم من هذا السياق ، وكذلك وردت عند السبكي : 4 / 205 ، وفي " المعجم الذهبي " : كارك : عمل صغير ، وكاركاه : معمل ، مصنع ، دكان ، قصر . ( 6 ) طبقات السبكي : 4 / 205 .