الذهبي
441
سير أعلام النبلاء
وما علمت أنه حج . حدث عنه أبو منصور محمد بن أسعد العطاري عرف بحفدة ، وأبو الفتوح محمد بن محمد الطائي ، وجماعة ، وآخر من روى عنه بالإجازة أبو المكارم فضل الله بن محمد النوقاني ، الذي عاش إلى سنة ست مئة ، وأجاز لشيخنا الفخر بن علي البخاري ( 1 ) . وكان البغوي يلقب بمحيي السنة وبركن الدين ، وكان سيدا إماما ، عالما علامة ، زاهدا قانعا باليسير ، كان يأكل الخبز وحده ، فعذل في ذلك فصار يأتدم بزيت ، وكان أبوه يعمل الفراء ويبيعها ، بورك له في تصانيفه ، ورزق فيها القبول التام ، لحسن قصده ، وصدق نيته ، وتنافس العلماء في تحصيلها ، وكان لا يلفي الدرس إلا على طهارة ، وكان مقتصدا في لباسه ، له ثوب خام ، وعمامة صغيرة على منهاج السلف حالا وعقدا ، وله القدم الراسخ في التفسير ، والباع المديد في الفقه ( 2 ) ، رحمه الله .
--> ( 1 ) هو علي بن أحمد بن عبد الواحد بن أحمد الامام العابد مسند العصر فخر الدين أبو الحسن المقدسي الصالحاني الحنبلي ، ترجم له المؤلف في " مشيخته " : الورقة : 94 ، وأرخ وفاته سنة 690 ه . ( 2 ) البغوي رحمه الله نشأ شافعي المذهب بحكم البيئة التي عاش فيها والعلماء الذين التقى بهم ، وأخذ عنهم ، وكانت له يد مشكورة في المذهب الشافعي ، فقد ألف فيه كتابه " التهذيب " نحى فيه منحى أهل الترجيح والاختيار والتصحيح إلا أنه رحمه الله لم يكن يتعصب لامامه ، ولا يندد بغيره ، بل كان ينظر في جميع المذاهب وآراء الأئمة ، ويطلع على حججهم ودلائلهم ، ويأخذ غالبا في كل باب ما يراه أبلغ في الحجة ، وأوفق للنصح على أنه حين استوت له المعرفة ، وبلغ مرحلة النضج ، كان يدعو إلى الاعتصام بالكتاب والسنة اللذين هما أصل الدين ، وملاكه ، وإليهما المرجع في المسائل الشرعية ، ويؤلف في نشر علومهما ، وبث معارفهما ، وإحياء مآثرهما التآليف النافعة الماتعة حتى استحق بحق لقب " محيي السنة " من أهل عصره وممن جاء بعده .