الذهبي
324
سير أعلام النبلاء
" الأربعين " ، وكتاب " القسطاس " ، وكتاب " محك النظر " . وراض نفسه وجاهدها ، وطرد شيطان الرعونة ، ولبس زي الأتقياء ، ثم بعد سنوات سار إلى وطنه ، لازما لسننه ، حافظا لوقته ، مكبا على العلم . ولما وزر فخر الملك ، حضر أبا حامد ، والتمس منه أن لا يبقي أنفاسه عقيمة ، وألح على الشيخ ، إلى أن لان إلى القدوم إلى نيسابور ، فدرس بنظاميتها . فذكر هذا وأضعافه عبد الغافر في " السياق " ، إلى أن قال : ولقد زرته مرارا ، وما كنت أحدس في نفسي مع ما عهدته عليه من الزعارة ( 1 ) والنظر إلى الناس بعين الاستخفاف كبرا وخيلاء ، واعتزازا بما رزق من البسطة ، والنطق ، والذهن ، وطلب العلو ، أنه صار على الضد ، وتصفى عن تلك الكدورات ، وكنت أظنه متلفعا بجلباب التكلف ، متنمسا بما صار إليه ، فتحققت بعد السبر والتنقير أن الامر على خلاف المظنون ، وأن الرجل أفاق بعد الجنون ، وحكى لنا في ليال كيفية أحواله من ابتداء ما أظهر له طريق التأله ، وغلبة الحال عليه بعد تبحره في العلوم ، واستطالته على الكل بكلامه ، والاستعداد الذي خصه الله به في تحصيل أنواع العلوم ، وتمكنه من البحث والنظر ، حتى تبرم بالاشتغال بالعلوم العرية عن المعاملة ، وتفكر في العاقبة ، وما يبقى في الآخرة ، فابتدأ بصحبة الشيخ أبي علي الفارمذي ( 2 ) ، فأخذ منه استفتاح الطريقة ، وامتثل ما كان يأمره به من
--> ( 1 ) الزعارة بتشديد الراء مثل حمارة الصيف ، وبتخفيف الراء عن اللحياني ، أي : ؟ رأسه وسوء خلق لا يتصرف منه فعل . ( 2 ) نسبة إلى فارمذ : قرية من قرى طوس ، قال السمعاني في " الأنساب " : 9 / 218 ، 219 : والمشهور بالنسبة إليها أبو علي الفضل بن محمد بن علي الفارمذي لسان خراسان وشيخها ، وصاحب الطريقة الحسنة من تربية المريدين والأصحاب ، وكان مجلس وعظه على ما سمعت كروضة فيها أنواع الأزهار والثمار . . . توفي سنة 477 ه تقدمت ترجمته في الجزء الثامن عشر ( 294 ) .