الذهبي
253
سير أعلام النبلاء
اشترى أرضها بماله الذي خرج به من صحراء السودان ، وله جبل الثلج ، وكثرت جيوشه ، وخافته الملوك ، وكان بربريا قحا ، وثارت الفرنج بالأندلس ، فعبر ابن تاشفين ينجد الاسلام ، فطحن العدو ( 1 ) ، ثم أعجبته الأندلس ، فاستولى عليها ، وأخذ ابن عباد وسجنه ، وأساء العشرة . وقيل : كان ابن تاشفين كثير العفو ، مقربا للعلماء ، وكان أسمر نحيفا ، خفيف اللحية ، دقيق الصوت ، سائسا ، حازما ، يخطب لخليفة العراق ، وفيه بخل البربر ، تملك بضعا وثلاثين سنة ، وهو وجيشه ملازمون للثام الضيق ، وفيهم شجاعة وعتو وعسف ، جاءته الخلع من المستظهر ( 2 ) ،
--> ( 1 ) في وقعة الزلاقة ( بطحاء من إقليم بطليوس من غرب الأندلس ) المشهورة التي انكسر فيها جيش الفرنجة الكفرة الزاحف من طليطلة كسرة شديدة سنة 479 ه انظر التفصيل في " الروض المعطار " : 287 - 292 ، و " نفح الطيب " : 4 / 354 - 371 ، والكامل لابن الأثير : 10 / 151 - 155 ، ووفيات العيان : 7 / 115 ، وما بعدها ، وقد بايع يوسف ابن تاشفين بعد انتهاء الوقعة من شهدها معه من ملوك الأندلس وأمرائها ، وكانوا ثلاثة عشر ملكا ، فسلموا عليه بأمير المسلمين ، وكان يدعى بالأمير ، وضرب السكة من يومئذ وجددها ، ونقش ديناره : " لا إله إلا الله محمد رسول الله " وتحت ذلك : " أمير المسلمين يوسف بن تاشفين " وكتب في الدائرة : " ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين " وكتب على الوجه الآخر من الدينار : الأمير عبد الله ، أمير المؤمنين العباسي ، وفي الدائرة تاريخ ضرب الدينار وموضع سكه . ( 2 ) ووصف ابن الأثير في الكامل : 10 / 417 يوسف بن تاشفين بأنه كان حليما كريما ، دينا خيرا ، يحب أهل العلم والدين ، ويحكمهم في بلاده ، ويبالغ في إكرام العلماء والوقوف عند إشارتهم ، وكان إذا وعظه أحدهم ، خشع عند استماع الموعظة ، ولان قلبه لها ، وظهر ذلك عليه ، وكان يحب العفو والصفح عن الذنوب العظام ، فمن ذلك أن ثلاثة نفر اجتمعوا ، فتمنى أحدهم ألف دينار يتجر بها ، وتمنى الآخر عملا يعمل فيه لأمير المسلمين ، وتمنى الآخر زوجته النفزاوية وكانت من أحسن النساء ، ولها الحكم في بلاده ، فبلغه الخبر ، فأحضرهم ، وأعطى متمني المال ألف دينار ، واستعمل الآخر ، وقال للذي تمنى زوجته : يا جاهل ، ما حملك على هذا الذي لا تصل إليه ؟ ثم أرسله إليها ، فتركته في خيمة ثلاثة أيام ، تحمل إليه كل يوم طعاما واحدا ، ثم أحضرته ، وقالت له : ما أكلت هذه الأيام ؟ قال : طعاما واحدا ، فقالت : كل النساء شئ واحد ، وأمرت له بمال وكسوة وأطلقته . وقال ابن خلكان : 7 / 124 - 125 : وكان حازما سائسا للأمور ، ضابطا لمصالح مملكته مؤثرا لأهل العلم والدين ، كثير المشورة لهم ، وبلغني أن الامام أبا حامد الغزالي لما سمع ما هو عليه من الأوصاف الحميدة ، وميله إلى أهل العلم ، عزم على التوجه إليه ، فوصل الإسكندرية ، وشرع في تجهيز ما يحتاج إليه ، فوصله خبر وفاته فرجع عن ذلك العزم .