الذهبي
233
سير أعلام النبلاء
فقدم إنسان من سرنديب يتكلم على المستقبلات ، فسألنا عن حالنا ، وبشرنا بأمور لم تخرم ، واشتريت جارية هندية ، وجئنا عدن ، فقلت لوزيري : امض إلى زبيد ، فأشع موتي ، واكشف الأمور ، وصعدت جبلة ( 1 ) ، وكشفت أحوال المكرم ، ثم أتيت زبيد ، فخبرني الوزير بما يسر عن أوليائنا ، وأنهم كثير ، فأخذت من لحيتي ، وسترت عيني بخرقة ، وطولت أظفاري ، وقصدت دار ابن ألقم الوزير فأسمعه يقول : لو وجدت كلبا من آل نجاح لملكته ، وذلك لشر وقع بينه وبين ابن شهاب رفيقه ، فخرج ولد ابن ألقم ، فقال : يا هندي ، تحسن الشطرنج ؟ قلت : نعم ، قال : فغلبته ، فثار ، وكان طبقة أهل زبيد ، فقال له أبوه : ما لنا من يغلبك إلا جياش ، وقد مات ، ثم لعبت مع الأب ، فمنعت الدست ، فأحبني وخلطني بنفسه ، وهو يقول كل وقت : عجل الله علينا بكم يا آل نجاح ، فأخذت أكاتب الحبوش حتى حصل حول زبيد خمسة آلاف حربة ، وأمرت وزيري ، فأخذ لي عشرة آلاف دينار مودعة ، فأنفقتها فيهم ، وضرب ولد ابن ألقم عبدا له ، فنالني طرف سوطه ، فقلت : أنا أبو الطامي ، فقال أبوه : ما اسمك ؟ قلت : بحر ، قال : كنية مناسبة . وقال مرة لابنه : إن غلبت الهندي ، أوفدتك بارتفاع السنة على المكرم . قال : فتراخيت له ، فغلبني ، فطاش فرحا ، ومد يده إلى وجهي ، فأحفظني ، وقمت ، فعثرت ، فاعتزيت ( 2 ) ، وقلت : أنا جياش بن نجاح ،
--> ( 1 ) بكسر الجيم وسكون الباء : مدينة باليمن تحت جبل صبر ، وتسمى ذات النهرين ، وهي من أحسن مدن اليمن وأنزهها وأطيبها . ( 2 ) أي : انتسبت ، يقال : عزا فلان نفسه إلى بني فلان يعزوها عزوا ، وعزا واعتزى وتعزى كله : انتسب صدقا كان أو كذبا ، وانتمى إليهم ، وفي الحديث الصحيح المخرج في " المسند " : 5 / 136 : " من تعزى بعزاء الجاهلية ، فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا " أي : انتسب وانتمى ، فقد كانوا في الجاهلية يقولون في الاستغاثة : يا لفلان ، وينادي : أنا فلان ابن فلان ينتمي إلى أبيه وجده لشرفه وعزه ونحو ذلك ، فمعنى الحديث : قبحوا عليه فعله ، وقولوا : اعضض بهن أبيك ، فإن من القبح مثل هذه الدعوى .