الذهبي
547
سير أعلام النبلاء
فقلت له : أتعرف أبا عمران الفاسي ؟ قال : نعم . فقلت له : صفه لي ( 1 ) . قال : هو بقال في سوق كذا ، ويسكن سبتة ، أكان يعرفني ؟ فقال : لا . فقال : لو لقيت آخر فسألته كما سألت الأول ، فقال ( 2 ) : أعرفه ، يدرس العلم ، ويفتي ، ويسكن بغرب الشماط ( 3 ) ، أكان يعرفني ؟ قال : نعم . قال : فكذلك الكافر قال : لربه صاحبة وولد ، وأنه جسم ، فلم يعرف الله ولا وصفه بصفته بخلاف المؤمن . فقالوا : شفيتنا . ودعوا له ، ولم يخوضوا بعد في المسألة . قلت : المشركون والكتابيون وغيرهم عرفوا الله تعالى بمعنى أنهم لم يجحدوه ، وعرفوا أنه خالقهم ، قال تعالى : ( ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله ) [ الزخرف : 87 ] وقال : ( قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض ) [ إبراهيم : 10 ] فهؤلاء لم ينكروا البارئ ، ولا جحدوا الصانع ، بل عرفوه ، وإنما جهلوا نعوته المقدسة ، وقالوا عليه ما لا يعلمون ، والمؤمن فعرف ربه بصفات الكمال ، ونفى عنه سمات النقص في الجملة ، وآمن بربه ، وكف عما لا يعلم ، فبهذا يتبين لك أن الكافر عرف الله من وجه ، وجهله من وجوه ، والنبيون عرفوا الله تعالى ، وبعضهم أكمل معرفة الله ، والأولياء فعرفوه معرفة جيدة ، ولكنها دون معرفة الأنبياء ، ثم المؤمنون العالمون بعدهم ، ثم الصالحون دونهم . فالناس في معرفة ربهم متفاوتون ، كما أن إيمانهم يزيد وينقص ، بل وكذلك الأمة في الايمان بنبيهم والمعرفة له على مراتب ، فأرفعهم في ذلك أبو بكر الصديق مثلا ، ثم عدد
--> ( 1 ) في الأصل : " هو " بدل " لي " ، والمثبت من " ترتيب المدارك " . ( 2 ) من قوله : قال : هو بقال . . . إلى هنا ليس في المطبوع من " ترتيب المدارك " . ( 3 ) في " ترتيب المدارك " : بقرب السماط .