الذهبي
393
سير أعلام النبلاء
وقال : علم الفناء والبقاء يدور على إخلاص الوحدانية ، وصحة العبودية ، وما كان غير هذا فهو من المغالطة والزندقة ( 1 ) . قلت : صدقت والله ، فإن الفناء والبقاء من ترهات الصوفية ، أطلقه بعضهم ، فدخل من بابه كل إلحادي وكل زنديق ، وقالوا : ما سوى الله باطل فان ، والله تعالى هو الباقي ، وهو هذه الكائنات ، وما ثم شئ غيره . ويقول شاعرهم : وما أنت غير الكون * بل أنت عينه ويقول الآخر : وما ثم إلا الله ليس سواه . فانظر إلى هذا المروق والضلال ، بل كل ما سوى الله محدث موجود . قال الله تعالى : ( خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ) ( 2 ) . وإنما أراد قدماء الصوفية بالفناء نسيان المخلوقات وتركها ، وفناء النفس عن التشاغل بما سوى الله ، ولا يسلم إليهم هذا أيضا ، بل أمرنا الله ورسوله بالتشاغل بالمخلوقات ورؤيتها والاقبال عليها ، وتعظيم خالقها ، وقال تعالى : ( أو لم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شئ ) ( 3 ) ، وقال : ( قل انظروا ماذا في السماوات والأرض ) ( 4 ) .
--> ( 1 ) " طبقات الصوفية " : 404 . ( 2 ) السجدة : 4 . ( 3 ) الأعراف : 185 . ( 4 ) يونس : 101 .