الذهبي
363
سير أعلام النبلاء
وفيه دليل على أن النفاق يتبعض ويتشعب ، كما أن الايمان ذو شعب ويزيد وينقص ، فالكامل الايمان من اتصف بفعل الخيرات ، وترك المنكرات وله قرب ماحية لذنوبه ، كما قال تعالى : ( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ) ( الأنفال : 2 ) إلى قوله : ( أولئك هم المؤمنون حقا ) ( الأنفال : 4 ) وقال : ( قد أفلح المؤمنون ) ( المؤمنون : 1 ) إلى قوله : ( أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس ) ( المؤمنون : 10 و 11 ) ودون هؤلاء خلق من المؤمنين الذين خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ، ودونهم عصاة المسلمين ، ففيهم إيمان ينجون به من خلود عذاب الله تعالى وبالشفاعة . ألا تسمع إلى الحديث المتواتر " أنه يخرج من النار من في قلبه وزن ذرة من إيمان " ( 1 ) وكذلك شعب النفاق من الكذب والخيانة والفجور والغدر والرياء ، وطلب العلم ليقال ، وحب الرئاسة والمشيخة ، وموادة الفجار والنصارى . فمن ارتكبها كلها ، وكان في قلبه غل النبي صلى الله عليه وسلم ، أو حرج من قضاياه ، أو يصوم رمضان غير محتسب ، أو يجوز أن دين النصارى أو اليهود دين مليح ، ويميل إليهم . فهذا لا ترتب في أنه كامل النفاق ، وأنه في الدرك الأسفل من النار ، وصفاته الممقوتة عديدة في الكتاب والسنة من قيامه إلى الصلاة كسلان ، وأدائه الزكاة وهو كاره ، وإن عامل الناس فبالمكر والخديعة ، قد اتخذ إسلامه جنة ، نعوذ بالله من النفاق ، فقد خافه سادة الصحابة على نفوسهم . فإن كان فيه شعبة من نفاق الأعمال ، فله قسط من المقت حتى يدعها ، ويتوب منها ، أما من كان في قلبه شك من الايمان بالله ورسوله ،
--> ( 1 ) أخرجه من حديث أنس ، البخاري 1 / 95 ، 96 في الايمان : باب زيادة الايمان ونقصانه ، و 13 / 395 في التوحيد : باب كلام الرب تعالى يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم ، ومسلم ( 193 ) ( 325 ) و ( 326 ) في الايمان : باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها .