الذهبي

293

سير أعلام النبلاء

ابن حبيب ، سمعت المسعري محمد بن وهب ، قال : كنت مؤدبا للمتوكل ، فلما استخلف ، أدناني . وكان يسألني وأجيبه على مذهب الحديث والعلم ، وإنه جلس للخاصة يوما ، ثم قام ، حتى دخل بيتا له من قوارير ، سقفه وحيطانه وأرضه ، وقد أجري له الماء فيه ، يتقلب فيه . فمن دخله ، فكأنه في جوف الماء جالس . وجلس عن يمينه الفتح بن خاقان ، وعبيد الله بن يحيى بن خاقان ، وعن يساره بغا الكبير ، ووصيف ، وأنا واقف إذ ضحك ، فأرم القوم ، فقال : ألا تسألوني من ما ضحكت ؟ ! إني ذات يوم واقف على رأس الواثق ، وقد قعد للخاصة ، ثم دخل هنا ، ورمت الدخول فمنعت ، ووقفت حيث ذاك الخادم واقف ، وعنده ابن أبي دواد ، وابن الزيات ، وإسحاق بن إبراهيم . فقال الواثق : لقد فكرت فيما دعوت إليه الناس من أن القرآن مخلوق ، وسرعة إجابة من أجابنا ، وشدة خلاف من خالفنا مع الضرب والسيف ، فوجدت من أجابنا رغب فيما ( في ) أيدينا ، ووجدت من خالفنا منعه دين وورع ، فدخل قلبي من ذلك أمر وشك حتى هممت بترك ذلك . فقال ابن أبي دواد : الله الله يا أمير المؤمنين ! أن تميت سنة قد أحييتها ، وأن تبطل دينا قد أقمته . ثم أطرقوا . وخاف ابن أبي دواد ، فقال : والله يا أمير المؤمنين ، إن هذا القول الذي تدعو الناس إليه لهو الدين الذي ارتضاه الله لأنبيائه ورسله ، وبعث به نبيه ، ولكن الناس عموا عن قبوله . قال الواثق : فباهلوني ( 1 ) على ذلك . فقال أحمد : ضربه الله بالفالج إن لم يكن ما يقول حقا . وقال ابن الزيات : وهو فسمر الله بدنه بمسامير في الدنيا قبل الآخرة إن لم يكن ما يقول أمير المؤمنين حقا بأن القرآن مخلوق . وقال إسحاق بن إبراهيم : وهو فأنتن الله ريحه في الدنيا إن لم يكن

--> ( 1 ) يقال : باهل بعضهم بعضا ، وتبهلوا وتباهلوا ، أي : تلاعنوا . والبهلة ، وتضم الباء : اللعنة .