الذهبي
282
سير أعلام النبلاء
وأن يزيد في نيته ، وأن يعينه على ما هو عليه . فقد ذكر عن ابن عباس أنه قال : لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض ، فإنه يوقع الشك في قلوبكم . وذكر عن عبد الله بن عمرو ، أن نفرا كانوا جلوسا بباب النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال بعضهم : ألم يقل ( الله ) ( 1 ) كذا ، وقال بعضهم : ألم يقل الله كذا ؟ فسمع ذلك رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فخرج كأنما فقئ في وجهه حب الرمان ، فقال : " أبهذا أمرتم أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض ؟ إنما ضلت الأمم قبلكم في مثل هذا ( إنكم لستم مما هاهنا في شئ ) ( 2 ) ، انظروا الذي أمرتم به ، فاعملوا به ، وانظروا الذي نهيتم عنه ، فانتهوا عنه " ( 3 ) . وروي عن أبي هريرة عن النبي ، صلى الله عليه وسلم قال : " مراء في القرآن كفر " ( 4 )
--> ( 1 ) الزيادة من " تاريخ الاسلام " . ( 2 ) الزيادة من " تاريخ الاسلام " و " الحلية " . ( 3 ) إسناده حسن ، وهو في " المسند " 2 / 195 و 118 و 196 ، وابن ماجة ( 85 ) . ( 4 ) أخرجه أحمد 2 / 286 و 300 و 424 و 475 و 503 و 528 ، وأبو داود ( 4603 ) في السنة : باب النهي عن الجدال في القرآن ، وسنده حسن ، وصححه ابن حبان ( 73 ) ، والحاكم 2 / 223 ، ووافقه الذهبي المؤلف . واختلفوا في تأويل هذا الحديث ، فقيل : معنى المراء : الشك ، كقوله سبحانه وتعالى : ( فلا تك في مرية ) ، أي : في شك . وقيل المراء : هو الجدال المشكك ، وذلك أنه إذا جادل فيه ، أداه إلى ما يرتاب في الآي المتشابهة منه ، فيؤديه ذلك إلى الجحود فسماه كفرا باسم ما يخشى من عاقبته ، إلا من عصمه الله . ومن حق الناظر في القرآن أن يجتهد في التوفيق بين الآيات برد المتشابهات إلى المحكمات ، والجمع بين المختلفات ظاهرا ما أمكنه ، فإن القرآن يصدق بعضه بعضا ، فإن أشكل عليه شئ من ذلك ، ولم يتيسر له التوفيق ، فليعتقد أنه من سوء فهمه ، وليكله إلى عالمه ، وهو الله ورسوله . وتأوله بعضهم على المراء في قراءته ، وهو أن ينكر بعض القراءات المروية ، وقد أنزل الله القرآن على سبعة أحرف ، فتوعدهم بالكفر لينتهوا عن المراء فيها ، والتكذيب بها ، إذ كلها قرآن منزل يجب الايمان به ، ويشهد لهذا التفسير حديث أبي جهيم الآتي . وقيل : إنما جاء هذا في الجدال بالقرآن من الآي التي فيها ذكر القدر والوعيد وما كان في معناهما على مذهب أهل الكلام والجدل ، دون ما كان منها في الاحكام وأبواب الإباحة والتحريم ، فإن أصحاب رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قد تنازعوها فيما بينهم ، وتحاجوا بها عند اختلافهم في الاحكام . ويشهد لهذا التفسير حديث عبد الله بن عمرو المتقدم ، فقد وقع عند أحمد 2 / 296 ، وابن ماجة ( 85 ) أن تنازعهم كان في القدر .