الذهبي

259

سير أعلام النبلاء

فيه ، حتى إذا صرنا إلى الرحبة ، أنزلنا بظاهرها ، فمددت بصري ، فإذا بشئ لم أستثبته ، فلم يزل يدنو ، وإذا أعرابي جعل يتخطى تلك المحامل حتى صار إلي ، فوقف علي ، فسلم ، ثم قال : أنت أحمد بن حنبل ؟ فسكت تعجبا ! ! ثم أعاد ، فسكت . فبرك على ركبتيه ، فقال : أنت أبو عبد الله أحمد بن حنبل ؟ فقلت نعم . فقال : أبشر واصبر ، فإنما هي ضربة هاهنا ، وتدخل الجنة هاهنا . ثم مضى . فقال الطفاوي : يا أبا عبد الله ! إنك محمود عند العامة ، فقال : أحمد الله على ديني ، إنما هذا دين ، لو قلت لهم ، كفرت . فقال الطفاوي : أخبرني بما صنعوا بك ؟ قال : لما ضربت بالسياط ، جعلت أذكر كلام الأعرابي ، ثم جاء ذاك الطويل اللحية - يعني : عجيفا - فضربني بقائم السيف . ثم جاء ذاك ، فقلت : قد جاء الفرج ، يضرب عنقي ، فأستريح . فقال له ابن سماعة : يا أمير المؤمنين : اضرب عنقه ودمه في رقبتي . فقال ابن أبي دواد : لا يا أمير المؤمنين ، لا تفعل . فإنه إن قتل أو مات في دارك ، قال الناس : صبر حتى قتل ، فاتخذه الناس إماما ، وثبتوا على ما هم عليه ، ولكن أطلقه الساعة ، فإن مات خارجا من منزلك ، شك الناس في أمره . وقال بعضهم : أجاب ، وقال بعضهم : لم يجب . فقال الطفاوي : وما عليك لو قلت ؟ قال أبو عبد الله : لو قلت ، لكفرت . وبه قال ابن أبي حاتم : سمعت أبا زرعة ، يقول : دعا المعتصم بعم أحمد ، ثم قال للناس : تعرفونه ؟ قالوا : نعم ، هو أحمد بن حنبل . قال : فانظروا إليه ، أليس هو صحيح البدن ؟ قالوا : نعم . ولولا أنه فعل ذلك ، لكنت أخاف أن يقع شئ لا يقام له . قال : ولما قال : قد سلمته إليكم صحيح البدن ، هدأ الناس وسكنوا .