الذهبي

252

سير أعلام النبلاء

فيه أدنى فرج حتى أطلق عنك بيدي ، ثم رجع ، وقال للجلاد : تقدم ، فجعل يضربني سوطين ويتنحى ، وهو في خلال ذلك يقول : شد ، قطع الله يدك . فذهب عقلي ، ثم أفقت بعد ، فإذا الأقياد قد أطلقت عني . فقال لي رجل ممن حضر : كببناك على وجهك ، وطرحنا على ظهرك بارية ( 1 ) ودسناك ! ( قال أبي ) ( 2 ) : فما شعرت بذلك ، وأتوني بسويق ، وقالوا : اشرب وتقيأ ، فقلت : لا أفطر . ثم جئ بي إلى دار إسحاق بن إبراهيم ، فحضرت الظهر ، فتقدم ابن سماعة ، فصلى . فلما انفتل من صلاته ، وقال لي : صليت ، والدم يسيل في ثوبك ؟ قلت : قد صلى عمر ، وجرحه يثعب دما ( 3 ) . قال صالح : ثم خلي عنه ، فصار إلى منزله . وكان مكثه ( في السجن ) ( 4 ) منذ أخذ إلى أن ضرب وخلي عنه ، ثمانية وعشرين شهرا . ولقد حدثني أحد الرجلين اللذين كانا معه ، قال : : يا ابن أخي ، رحمة الله على أبي عبد الله ، والله ما رأيت أحدا يشبهه ، ولقد جعلت أقول له في وقت ما يوجه إلينا بالطعام : يا أبا عبد الله ، أنت صائم ، وأنت في موضع تفئة ( 5 ) . ولقد

--> ( 1 ) بكسر الراء ، وفتح الياء المشددة : الحصير المنسوج ، وهي فارسية الأصل . ( 2 ) ما بين حاصرتين من " تاريخ الاسلام " ، وهو قال صالح بن الإمام أحمد . ( 3 ) أخرجه مالك في " الموطأ " رقم ( 79 ) : باب العمل فيمن غلبه الدم من جرح أو رعاف ، من طريق هشام بن عروة ، عن أبيه ، أن المسور بن مخرمة أخبره أنه دخل على عمر بن الخطاب من الليلة التي طعن فيها ، فأيقظ عمر لصلاة الصبح ، فقال عمر : نعم ، ولاحظ في الاسلام لمن ترك الصلاة ، فصلى عمر وجرحه يثعب دما ، أي : يجري ويتفجر منه الدم . ( 4 ) ما بين حاصرتين من " تاريخ الاسلام " . ( 5 ) كذا الأصل ، وفي " تاريخ الاسلام و " مناقب الإمام أحمد " ص 407 : تقية وفي " الحلية " 9 / 203 : " مسغبة " . قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله : والتقية إنما تجوز للمستضعفين الذين يخشون أن لا يثبتوا على الحق ، والذين ليسوا بموضع القدوة للناس ، فهؤلاء يجوز لهم أن يأخذوا بالرخصة . أما أولو العزم من الأئمة الهداة ، فإنهم يأخذون بالعزيمة ، ويحتملون الأذى ، ويثبتون ، وفي سبيل الله ما يلقون . ولو أنهم أخذوا بالتقية ، واستساغوا الرخصة ، لضل الناس من ورائهم ، يقتدون بهم ، ولا يعلمون أن هذه تقية .