الذهبي
240
سير أعلام النبلاء
وقال : لست أبالي بالحبس ، ما هو ومنزلي إلا واحد ، ولا قتلا بالسيف ، إنما أخاف فتنة السوط . فسمعه بعض أهل الحبس ، فقال : لا عليك يا أبا عبد الله ، فما هو إلا سوطان ، ثم لا تدري أين يقع الباقي ، فكأنه سري عنه . قال : وحدثني من أثق به ، عن محمد بن إبراهيم بن مصعب ، وهو يومئذ صاحب شرطة المعتصم خلافة لأخيه إسحاق بن إبراهيم ، قال : ما رأيت أحدا لم يداخل السلطان ، ولا خالط الملوك ، كان أثبت قلبا من أحمد يومئذ ، ما نحن في عينه إلا كأمثال الذباب . وحدثني بعض أصحابنا عن أبي عبد الرحمن الشافعي ، ( 1 ) ، أو هو حدثني أنهم أنفذوه إلى أحمد في محبسه ليكلمه في معنى التقية ، فلعله يجيب . قال : فصرت إليه أكلمه ، حتى إذا أكثرت وهو لا يجيبني . ثم قال لي : ما قولك اليوم في سجدتي السهو ؟ وإنما أرسلوه إلى أحمد للألف الذي كان بينه وبين أحمد أيام لزومهم الشافعي . فإن أبا عبد الرحمن كان يومئذ ممن يتقشف ويلبس الصوف ، وكان أحفظ أصحاب الشافعي للحديث من قبل أن يتبطن بمذاهبه المذمومة . ثم لم يحدث أبو عبد الله بعد ما أنبأتك أنه حدثني في أول خلافة الواثق ، ثم قطعه إلى أن مات ، إلا ما كان في زمن المتوكل .
--> ( 1 ) هو أحمد بن محمد بن عبد الله بن محمد بن العباس . . ، وهو ابن بنت الشافعي الامام رضي الله عنه ، وأمه زينب بنت الشافعي ، انظر ترجمته في " تهذيب الأسماء واللغات " للامام النووي برقم ( 557 ) ، وفي " طبقات الشافعية " 2 / 186 .