الذهبي
19
سير أعلام النبلاء
من أن يتكلم فيقال : زنديق ، وما شئ أبغض إلي من الكلام وأهله ( 1 ) . قلت : هذا دال على أن مذهب أبي عبد الله أن الخطأ في الأصول ليس كالخطأ في الاجتهاد في الفروع . الربيع بن سليمان : سمعت الشافعي يقول : من حلف باسم من أسماء الله فحنث ، فعليه الكفارة ، لان اسم الله غير مخلوق ، ومن حلف بالكعبة ، وبالصفا والمروة ، فليس عليه كفارة ، لأنه مخلوق ، وذاك غير مخلوق ( 2 ) .
--> ( 1 ) " تاريخ ابن عساكر 4 / 405 / 1 ، ونقل البيهقي في " المناقب " 1 / 453 ، 454 ، عن يونس بن عبد الأعلى قال : أتيت الشافعي بعد ما كلم حفصا الفرد ، فقال : غبت عنا يا أبو موسى ، لقد اطلعت من أهل الكلام على شئ والله ما توهمته قط ، ولان يبتلى المرء بجميع ما نهى الله عنه ما خلا الشرك بالله خير من أن يبتليه الله بالكلام . وعلق عليه البيهقي ، فقال : إنما أراد الشافعي رحمه الله بهذا الكلام حفصا وأمثاله من أهل البدع ، وهذا مراده بكل ما حكي عنه في ذم الكلام وذم أهله ، غير أن بعض الرواة أطلقه ، وبعضهم قيده ، وفي تقييد من قيده دليل على مراده ، ثم نقل عن أبي الوليد بن الجارود قوله : دخل حفص الفرد على الشافعي ، فكلمه ، ثم خرج إلينا الشافعي ، فقال لنا : لان يلقى الله العبد بذنوب مثل جبال تهامة خير له من أن يلقاه باعتقاد حرف مما عليه هذا الرجل وأصحابه ، وكان يقول بخلق القرآن . ثم قال : وهذه الروايات تدل على مراده بما أطلق عنه فيما تقدم وفيما لم يذكرها هنا ، وكيف يكون كلام أهل السنة والجماعة مذموما عنده ، وقد تكلم فيه ، وناظر من ناظره فيه ، وكشف عن تمويه من ألقى إلى سمع بعض أصحابه من أهل الأهواء شيئا مما هم فيه . ( 2 ) " آداب الشافعي " : 193 ، و " الحلية " 9 / 113 ، و " الأسماء والصفات " 257 ، 256 ، و " معرفة السنن والآثار " 1 / 113 ، و " مناقب " البيهقي 1 / 403 ، وفيه زيادة وهي : وكل يمين بغير الله ، فهي مكروهة منهي عنها من قبل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله عز وجل ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم ، فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليسكت " . قال البيهقي : فجعل اليمين باسم من أسماء الله كاليمين بالله ، ثم قال : " ومن حلف بشئ غير الله فلا كفارة عليه ، فبين بذلك أنه لا يقال في أسماء الله وصفاته : إنها أغيار ، وإنما يقال : أغيار ، لما يكون مخلوقا .