الذهبي
مقدمة الكتاب 56
سير أعلام النبلاء
ولعل مما يميز الذهبي عن غيره من بعض مؤلفي كتب الرجال والتراجم أنه لم يقتصر في تأليفه على عصر معين ، أو فئة معينة ، أو تنظيم معين ، بل تناولت مؤلفاته رجال الاسلام من أول ظهوره حتى عصره ، بله المعاصرين له . وهو في كتابته للترجمة فنان تراجمي ملئ بفن التراجم يجد الباحث فيها دقة متناهية في التعبير ، وحبكا للترجمة تشد القارئ إليها مع تعدد الموارد وانتقاء لأفضلها وإبداء لآرائه الشخصية فيها ( 1 ) . وقد عانى الذهبي كتابة " السيرة " وهو فن خاص له مميزاته التي تجعله يختلف عن كتابة " الترجمة " المجردة ، فكتب في سير الخلفاء الراشدين ، وأئمة الفقه ، والحديث ، وغيرهم ( 2 ) . ومعرفة الذهبي الواسعة في الرجال دفعت تاج الدين السبكي الذي انتقده في بعض المواضع إلى القول : " إنه كان شيخ الجرح والتعديل ورجل الرجال ، وكأنما جمعت الأمة في صعيد واحد فنظرها ثم أخذ يعبر عنها إخبار من حضرها ( 3 ) " . وقد ازداد شأنه بعد عصره بحيث اعتبر هو والمزي مؤرخي القرن الثامن اللذين لا ينافسهما أحد ( 4 ) ، وعده الامام السيوطي المتوفى سنة 911 ه رأس طبقة ذكر فيها القطب الحلبي المتوفى سنة 735 ه وابن سيد الناس المتوفى سنة 734 ه وشمس الدين المقدسي المتوفى سنة 744 ه
--> ( 1 ) انظر الفصل الثاني من هذا البحث عند كلامنا على منهج الذهبي في " السير " وما كتبناه عن منهجه في كتابه " تاريخ الاسلام " في كتابنا المذكور عنه . ( 2 ) انظر أدناه " السير " من آثار الذهبي . ( 3 ) السبكي : " طبقات " 9 / 101 . ( 4 ) السخاوي : " الاعلان " ص 604 .