محمد بن مسعود العياشي
333
تفسير العياشي
فرجع موسى يقفى أثره حتى انتهى إليه وهو على حاله مستلق ، فقال له موسى : السلام عليك فقال وعليك السلام يا عالم بني إسرائيل ، قال : ثم وثب فأخذ عصاه بيده ، قال : فقال له موسى : انى قد أمرت ان اتبعك على أن تعلمني مما عملت رشدا فقال كما قص عليكم ( إنك لن تستطيع معي صبرا ) قال : فانطلقا حتى انتهيا إلى معبر ( 1 ) فلما نظر إليهم أهل المعبر فقالوا : والله لا نأخذ من هؤلاء أجرا ، اليوم نحملهم ، فلما ذهب السفينة كثرت الماء خرقها ( 2 ) قال له موسى كما أخبرتم ، ثم قال : ( ألم أقل انك لن تستطيع معي صبرا قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا ) قال : وخرجا على ساحل البحر فإذا غلام يلعب مع غلمان عليه قميص حرير أخضر في اذنيه درتان فتوركه العالم ( 3 ) فذبحه فقال له موسى ( أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا ) قال : ( فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد ان ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا ) خبزا نأكله فقد جعنا ، قال : وهي قرية على ساحل البحر يقال لها : ناصرة وبها تسمى النصارى نصارى ، فلم يضيفوهما ولا يضيفون بعدهما أحدا حتى تقوم الساعة . وكان مثل السفينة فيكم وفينا ترك الحسين البيعة لمعوية ، وكان مثل الغلام فيكم قول الحسين بن علي لعبد الله بن علي : لعنك الله من كافر ، فقال له : قد قتلته يا با محمد وكان مثل الجدار فيكم علي والحسن والحسين ( 4 )
--> ( 1 ) المعبر : ما عبر به النهر والمراد هنا السفينة . ( 2 ) كذا في النسخ وفى البحار ( فلما ذهبت السفينة وسط الماء خرقها اه ) . ( 3 ) تورك فلان الصبي : جعله على وركه معتمدا عليها . ( 4 ) البرهان ج 2 : 476 . البحار ج 5 : 297 . وقال المجلسي رحمه الله في بيان الحديث : اما كون ترك الحسين عليه السلام البيعة لمعاوية لعنه الله شبيها بخرق السفينة لأنه عليه السلام بترك البيعة مهد لنفسه المقدسة الشهادة ، وبها انكسرت سفينة أهل البيت صلوات الله عليهم وكان فيها مصالح عظيمة منها ظهور كفر بني أمية وجورهم على الناس ، وخروج الخلق عن طاعتهم ومنها : ظهور حقية أهل البيت عليهم السلام وإمامتهم إذ لو بايعه الحسين عليه السلام أيضا لظن أكثر الناس وجوب متابعة خلفاء الجور وعدم كونهم عليهم السلام ولاة الامر . ومنها : ان بسبب ذلك صار من بعده من الأئمة عليهم السلام آمنين مطمئنين ، ينشرون العلوم بين الناس ، إلى غير دلك من المصالح التي لا يعملها غيرهم ، ولو كان ما ذكره المؤرخون من بيعته عليه السلام له أخيرا حقا كان المراد ترك البيعة ابتداءا ، ولا يبعد أن يكون في الأصل يزيد بن معاوية ، فسقط الساقط الملعون هو وأبوه . واما ما تضمن من قول الحسن عليه السلام لعبد الله بن علي فيشكل توجيهه لأنه كان من السعداء الذين استشهدوا مع الحسين صلوات الله عليه على ما ذكره المفيد وغيره . والقول بأنه عليه السلام علم أنه لو بقي بعد ذلك ولم يستشهد لكفر بعيد . والظاهر أن يكون عبيد الله - مصغرا - بناءا على ما ذكره ابن إدريس انه لم يستشهد مع الحسين عليه السلام ردا على المفيد ، وذكر صاحب المقاتل وغيره انه صار إلى المختار فسأل أن يدعو إليه ويجعل الامر له فلم يفعل ، فخرج ولحق بمصعب بن الزبير فقتل في الوقعة وهو لا يعرف . قوله : ( فقال له ) أي أمير المؤمنين عليه السلام . ( قد قتلته ) أي سيقتل بسبب لعنك أو هذا اخبار بأنه سيقتل كما قتل الخضر الغلام لكفره واما مثل الجدار فلعل المراد ان الله تعالى كما حفظ العلم تحت الجدار للغلامين لصلاح أبيهما فكذلك حفظ العلم لصلاح على والحسن والحسين عليهم السلام في أولادهم إلى أن يظهره القائم عليه السلام للخلق أو حفظ الله علم الرسول صلى الله عليه وآله بأمير المؤمنين للحسنين صلوات الله عليهم ، فأقام عليا عليه السلام للخلافة بعد ان أصابه ما أصابه من المخالفين والله يعلم .