محمد بن مسعود العياشي
3
تفسير العياشي
احدى وستون ومائة يوم عاشوراء دخل المسودة ( 1 ) الكوفة وذهب ملكهم ( 2 ) . 3 - خيثمة الجعفي عن أبي لبيد المخزومي قال : قال أبو جعفر عليه السلام : يا با لبيد انه يملك من ولد العباس اثنا عشر ، يقتل بعد الثامن منهم أربعة فتصيب أحدهم الذبحة ( 3 ) فتذبحه ، هم فئة قصيرة أعمارهم ، قليلة مدتهم ، خبيثة سيرتهم ( 4 ) منهم الفويسق الملقب بالهادي ، والناطق والغاوي ، يا بالبيد ان في حروف القرآن المقطعة لعلما جما ، ان الله تبارك وتعالى أنزل ( آلم ذلك الكتاب " ، فقام محمد صلى الله عليه وسلم حتى ظهر نوره وثبت كلمته ، وولد يوم ولد ، وقد مضى من الألف السابع مأة سنة وثلث سنين ، ثم قال : وتبيانه في كتاب الله [ في ] الحروف المقطعة إذا عددتها من غير تكرار ، وليس من حروف مقطعة حرف ينقضي أيام ( الأيام خ ل ) الا وقائم من بني هاشم عند انقضائه ، ثم قال : الألف واحد ، واللام ثلاثون ، والميم أربعون ، والصاد تسعون ، فذلك مأة واحدى وستون ، ثم كان بدو خروج الحسين بن علي عليه السلام ألم الله ، فلما بلغت مدته قام قائم ولد العباس عند " المص " ، ويقوم قائمنا عند انقضائها بالر فافهم ذلك وعه واكتمه ( 5 ) .
--> ( 1 ) المسودة بكسر الواو أي لابسي سواد والمراد أصحاب الدعوة العباسية لأنهم كانوا يلبسون ثيابا سوداء . ( 2 ) البرهان ج 2 : 3 . البحار ج 19 : 92 . الصافي ج 1 : 563 ونقله الصدوق ( رحمه الله ) في معاني الأخبار لكن في أكثر نسخه ثلثين بدل ستين في المواضع الثلاثة ولعله الأصح كما سيظهر وسيأتي شرحه في ذيل الحديث الآتي . ( 3 ) الذبحة - كهمزة - : وجع في الحلق من الدم ، وقيل : قرحة تظهر فيه فتنسد معها وينقطع النفس ويسمى بالخناق . ( 4 ) كذا في النسخ واستظهر في هامش نسخة العلامة المحدث النوري ( رحمه الله ) ان الأصل ( سريرتهم ) . ( 5 ) البحار ج 19 : 94 . البرهان ج 2 : 3 . الصافي ج 1 : 57 . ثم إنه قد اختلفت كلمات القوم في فواتح السور وتلك الحروف المقطعة وكثرت الأقوال وربما تبلغ إلى ثلثين قولا ذكر جلها الرازي في تفسيره عند تفسير قوله تعالى ( ألم ذلك الكتاب اه ) في سورة البقرة فراجع ولعل أقربها إلى الصواب كما يستفاد من هذه الأخبار ويؤيده آيات الكتاب ما ذهب إليه جمع من محققي علماء الإمامية وبعض المفسرين من العامة وهو ان هذه الحروف هي اسرار بين الله ورسوله ورموز لم يقصد بها افهام غيره وغير الراسخين في العلم من ذريته كما قال تعالى ( واخر متشابهات ) إلى قوله ( وما يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم ) وهذين الخبرين وغيرهما أيضا يدلان على أنها من جملة الرموز المفتقرة إلى البيان وقد روى عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال : لكل كتاب صفوة وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي . ثم لا يخفى ان هذين الخبرين من معضلات الاخبار ومخيبات الاسرار ونحن نذكر بعض ما قيل في شرحهما على ما هو المناسب لوضع هذه التعليقة فنقول : قال العلامة المجلسي رحمه الله : بعد نقلهما عن كتاب معاني الأخبار في شرح حديث الأول ما لفظه : هذا الخبر لا يستقيم إذا حمل على مدة ملكهم لأنه كان الف شهر ولا على تاريخ الهجرة مع ابتنائه عليه لتأخر حدوث هذا التاريخ عن زمن الرسول ولا على تاريخ علم الفيل لأنه يزيد على أحد وستين ومأة مع أن أكثر نسخ الكتاب ( يعنى كتاب معاني الأخبار ) أحد وثلاثون ومأة وهو لا يوافق عدد الحروف ثم قال رحمه الله : وقد أشكل على حل هذا الخبر زمانا حتى عثرت على اختلاف ترتيب الأبجد في كتاب عيون الحساب فوجدت فيه ان ترتيب الأبجد في القديم الذي ينسب إلى المغاربة هكذا : أبجد ، هوز ، حطي ، كلمن ، صعفض ، قرست ، ثخذ ، ظغش ، فالصاد المهملة عندهم ستون والضاد المعجمة تسعون والسين المهملة ثلاثمائة والظاء المعجمة ثمانمأة والغين المعجمة تسعمأة والشين المعجمة الف فحينئذ يستقيم ما في أكثر النسخ من عدد المجموع ولعل الاشتباه في قوله والصاد تسعون من النساخ لظنهم انه مبنى على المشهور وحينئذ يستقيم إذا بنى على البعثة أو نزول الآية كما لا يخفى على المتأمل ( انتهى ) وقال في شرح الحديث الثاني : الذي يخطر بالبال في حل هذا الخبر الذي هو من معضلات الاخبار هو انه بين ان الحروف المقطعة التي في فواتح السور إشارة إلى ظهور ملك جماعة من أهل الحق وجماعة من أهل الباطل فاستخرج عليه السلام ولادة النبي صلى الله عليه وآله من عدد أسماء الحروف المبسوطة بزبرها وبيناتها كما يتلفظ بها عند قرائتها بحذف المكررات كان يعد الف لام ميم تسعة ولا تعد مكررة بتكررها في خمس من السور فإنك إذا عددتها كذلك تصير مأة وثلاثة أحرف وهذا يوافق تاريخ ولادة النبي صلى الله عليه وآله لأنه كان قد مضى من الألف السابع من ابتداء خلق آدم عليه السلام مأة سنة وثلث سنين واليه أشار بقوله عليه السلام ( وتبيانه ) أي تبيان تاريخ ولادته صلى الله عليه وسلم ثم بين ان كل واحدة من تلك الفواتح إشارة إلى ظهور دولة من بني هاشم ظهرت عند انقضائها ( فالم ) التي في سورة البقرة إشارة إلى ظهور دولة الرسول إذا أول دولة ظهرت في بني هاشم كانت دولة عبد المطلب فهو مبدء التاريخ ومن ظهور دولته إلى ظهور دولة الرسول وبعثته كان قريبا من أحد وسبعين الذي هو عدد ( ألم ) - فالم ذلك - إشارة إلى ذلك وبعد ذلك نظم القرآن ( ألم ) الذي في آل عمران فهو إشارة إلى خروج الحسين عليه السلام إذا كان خروجه في أواخر سنة ستين من البعثة . ثم بعد ذلك في نظم القرآن " المص " فقد ظهرت دولة بنى العباس عند انقضائها لكن يشكل هذا من حيث إن ظهور دولتهم وابتداء بيعتهم كان في سنة اثنين وثلثين ومائة وفد مضى من البعثة حينئذ مأة وخمس وأربعون سنة فلا يوافق ما في الخبر ثم قال رحمه : ويمكن التفصي عن هذا الاشكال بوجوه : الأول : أن يكون مبدء هذا التاريخ غير مبدء ( ألم ) بان يكون مبدء ولادة النبي صلى الله عليه وآله مثلا فان بدو دعوة بنى العباس كان في سنة مأة من الهجرة وظهور بعض أمرهم في خراسان كان في سنة سبع أو ثمان ومأة من ولادته صلى الله عليه وسلم إلى ذلك الزمان كان مأة واحدى وستين سنة . الثاني : أن يكون المراد بقيام قائم ولد عباس استقرار دولتهم وتمكنهم وذلك كان في أواخر زمن المنصور وهو يوافق هذا التاريخ من البعثة : الثالث : أن يكون هذا الحساب مبنيا على ما في شرح الحديث السابق من كون الصاد في ذلك الحساب ستين فيكون مأة واحدى وثلثين فيوافق تاريخه تاريخ ( ألم ) إذ في سنة مأة وسبع عشرة من الهجرة ظهرت دعوتهم في خراسان . ثم قال رحمه الله ويحتمل أن يكون مبدأ هذا التاريخ نزول الآية وهي وان كانت مكية كما هو المشهور فيحتمل أن يكون نزولها في زمان قريب من الهجرة فيقرب من بيعتهم الظاهر وان كانت مدنية فيمكن أن يكون نزولها في زمان ينطبق على بيعتهم بغير تفاوت ثم قال رحمه الله في شرح قوله عليه السلام : فلما بلغت مدته أي كملت المدة المتعلقة بخروج الحسين عليه السلام فان ما بين شهادته صلوات الله عليه إلى خروج بنى العباس كان من توابع خروجه وقد انتقم الله له من بنى أمية في تلك المدة إلى أن استأصلهم ثم قال رحمه الله : وقوله : ويقوم قائمنا عند انقضائها بالر هذا يحتمل وجوها : الأول : أن يكون من الاخبار المشروطة البدائية ولم يتحقق لعدم تحقق شرطه كما يدل عليه بعض اخبار هذا الباب . الثاني : أن يكون تصحيف ( المر ) ويكون مبدء التاريخ ظهور امر النبي صلى الله عليه وآله قريبا من البعثة كالف لام ميم ويكون المراد بقيام القائم قيامه بالإمامة تورية فان إمامته كانت في سنة ستين ومأتين فإذا أضيف إليها أحد عشر من البعثة يوافق ذلك . الثالث : أن يكون المراد جميع اعداد كل ( الر ) يكون في القرآن وهي خمس مجموعها الف ومأة وخمسة وخمسون ثم ذكر وجهين آخرين واستبعدهما تركناهما حذرا من الإطالة والاطناب وهذا آخر ما نقلناه من كلامه رحمه الله . وقال تلميذه المحدث المحقق المولى أبو الحسن بن محمد طاهر العاملي رحمه الله بعد نقل كلامه رحمه الله : ولقد أجاد في إفادة المراد بما لا يتطرق إليه المزاد الا ان فيه بعض ما ينبغي ذكره فاعلم أن قوله عليه السلام في حديث المخزومي ان ولادة النبي كانت في سنة مأة وثلث من الألف السابع موافق بحسب الواقع لما ضبطه أكثر أهل الزيجات والتواريخ المضبوطة وإن كان بحسب الظاهر موهما للمخالفة فان الذي ضبطه الأكثر ان عمر آدم كان الف سنة الا سبعين كما يظهر من كثير من اخبارنا أيضا وان من وفات آدم إلى الطوفان كان ألفا وثلاثماءة سنة وكسرا ، ومن الطوفان إلى مولد إبراهيم عليه السلام كان ألفا وثمانين وكسرا ومن مولد إبراهيم عليه السلام إلى وفات موسى عليه السلام كان خمسمأة سنة وكسرا ومن وفات موسى عليه السلام إلى مبدء ملك بخت نصر كان تسعمأة سنة وكسرا وقيل سبعمأة وكسرا وان بين ملك بخت نصر ومولد النبي صلى الله عليه وآله كان ألفا سنة وعشر سنين ما سوى الكسورات المذكورة ، فبين في الحديث انها ثلث وتسعون سنة وكذا لو بنى على قول من قال بان ما بين وفات موسى وملك بخت نصر كان سبعمأة وكسرا يمكن تصحيح الحساب بأنه يكون مجموع ما بين خلق آدم إلى ولادة النبي صلى الله عليه وآله على هذا الحساب خمسة آلاف سنة وثمانمأة وكسرا كما صرح به بعضهم أيضا بان هذا كله على حساب السنين الشمسية فيكون بالقمرية المضبوط بالشهور العربية ستة آلاف سنة وكسرا . ففي الحديث المذكور أيضا صرح عليه السلام بان ذلك الكسر مأة وثلث سنين مع قطع النظر عن الشمسية والقمرية نقول أيضا إذا كان على هذا الحساب عدد الألوف خمسة والمأة المعلومة ثمانية بقيت الكسور التي بين هذه التواريخ غير معلومة فربما يكون جميعها ثلاثمائة وثلث سنين كما أخبر الإمام عليه السلام ويؤيده تصريح بعض المؤرخين بان من هبوط آدم إلى مولد النبي صلى الله عليه وآله ستة آلاف سنة ومأة وثلاث وستون فافهم . واعلم أيضا ان مراد شيخنا رحمه الله بقوله في تطبيق ألم الله على خروج الحسين عليه السلام وإنما كان شيوع امره يعنى امر النبي صلى الله عليه وآله بعد سنتين من البعثة دفع ما يرد على ذلك من أن ما بين مبدء البعثة إلى خروج الحسين عليه السلام كان ثلثا وسبعين سنة فزيد حينئذ سنتان ، ولعله رحمه الله لم يحتج إلى هذا التكلف مع بعده بل كان له ان يجعل مبنى الحساب على السنين الشمسية فان خروجه عليه السلام كان في آخر سنة ستين من الهجرة بحساب سنين القمرية فيصير من البعثة إليها بحساب الشمسية واحدة وسبعين سنة كما هو ظاهر على الماهر وكأنه رحمه الله لم يتوجه إلى هذا التوجيه لأنه لا يجرى فيما سيأتي في تاريخ قيام القائم عليه السلام فتأمل . ثم اعلم أيضا ان الوجه الأول الذي ذكره طاب مرقده في التفصي عما استشكله في كون المص تاريخ قيام قائم بنى العباس وجه جيد ، لكن لم يكن له حاجة إلى أن يتكلف بجعل تاريخ القيام زمان ظهور أمرهم بل إن جعل تاريخ ذلك زمان أصل ظهور دعوتهم في خراسان وبدو خروج قائمهم والأعوان أعني أبا مسلم المروزي لتم الكلام أيضا حق التمام فان أصل ظهور تلك الدعوة على ما صرح به هو أيضا أخيرا كان في سنة مأة وسبع عشرة من الهجرة من ولادة النبي صلى الله عليه وآله إلى الهجرة كان ثلثا وخمسين سنة تقريبا بالسنين القمرية وتلك بعد اخراج التفاوت الذي يحصل بسبب اختلاف اشهر الولادة والبعثة والهجرة وغيرها وتحويلها إلى السنين الشمسية تصير مأة وواحدة وستين سنة تقريبا . واما توجيهه رضي الله عنه بما وجهه به حديث رحمة بن صدقة أيضا من كون مبنى الحساب على عدد الصاد ستين كما هو عند المغاربة فهو وإن كان حاسما لمادة الاشكال في الخبرين جميعا الا انه بعيد من كليهما من وجوه غير خفية . منها : تصريح الامام فيهما معا بان الصاد تسعون والحمل على اشتباه النساخ في كل منهما لا سيما في الخبر الذي يستلزم ان يقال بالاشتباه في كلمتين كما هو ظاهر مما يرتفع باحتماله الاعتماد على مضامين الاخبار والوثوق بها . على أنه يمكن توجيه حديث رحمة أيضا بنوع لا يحتاج إلى القول بهذا الاشتباه مع البناء على ما في أكثر النسخ ( يعنى من كتاب معاني الأخبار ) أعني كون ثلثين بدل ستين كما هو الأنسب بالنسبة إلى عجز الحديث إذ لا كلام في أن دخول المسودة الكوفة كان عند انقضاء سنة مأة واحدى وثلثين من الهجرة ، والتوجيه ان يقال لعل الإمام عليه السلام في ذلك الحديث عد أولا عدد حساب الحروف بقوله الألف واحد واللام ثلاثون والميم أربعون والصاد تسعون ثم قال كم معك ؟ حتى يقول الرجل مأة وواحد وستون فيخبره بمبدء ظهور امر بنى العباس على وفق حديث أبي لبيد لكن الرجل توهم في الحساب والجواب فقال : مأة واحدى وثلاثون وكان ذلك أيضا موافقا ليوم دخول المسودة الكوفة إذا حوسب من الهجرة فأقره الإمام عليه السلام على خطائه ولم يخبره بتوهمه حيث كان ذلك الذي ذكره أيضا من أيام فناء أصحابه بل أشدها عليهم فأخبره بما أحرق قلبه على وفق جوابه أيضا فافهم وتأمل جيدا حتى تعلم أن ما ذكره شيخنا المتقدم طاب ثراه في آخر توجيه حديث رحمة من أن استقامة ما ذكره من التوجيه إذا بنى على البعثة وقد أشار إلى مثله بما في حديث أبي لبيد أيضا ليس على ما ينبغي بل المعنى يستقيم حينئذ إذا حوسب من الهجرة كما صرح الراوي في آخر الحديث ونص عليه أهل التواريخ أيضا فتأمل . واعلم أيضا ان الأظهر في الوجوه التي ذكرها رحمه الله في توجيه قيام القائم عليه السلام الوجه الثاني فان في أكثر النسخ المعتبرة ضبط ( المر ) بدل ( الر ) مع كونه حينئذ على نسق ما تقدم عليه في كون الجميع ( ألم ) وربما يكون نظم القرآن أيضا كذلك عند أهل البيت أن يكون ( المر ) قبل ( الر ) ولا بعد أيضا في التعبير عن امامة القائم عليه السلام بقيامه هذا ما خطر بالبال والله وحججه اعلم بحقايق الأحوال . ( انتهى ) .