السيد علي الحسيني الميلاني

38

نفحات الأزهار

هذا القول لزم جواز أن يقال ( فلان مولى منك ) في موضع ( أولى منك ) وهو باطل منكر بالاجماع . وأيضا : فإن تفسير أبي عبيدة بيان لحاصل معنى الآية : يعني : النار مقركم ومصيركم والموضع اللائق بكم ، لا أن لفظة ( المولى ) فيها بمعنى ( الأولى ) . ثانيا : ولو سلم كون ( المولى ) بمعنى ( الأولى ) فما الدليل من اللغة على أن تكون الصلة ( بالتصرف ) ؟ إذ يحتمل أن يكون المراد : الأولى بالمحبة والأولى بالتعظيم ، وأي ضرورة لأن يحمل لفظ ( الأولى ) على ( الأولوية بالتصرف ) في كل مورد ؟ قال الله تعالى * ( إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا ) * ، وواضح أن أتباع إبراهيم لم يكونوا أولى بالتصرف منه . ثالثا : إن القرينة المتأخرة تدل بصراحة على أن المراد من الولاية المستفادة من لفظ ( المولى ) أو ( الأولى ) - أيا ما كان - هو المحبة ، وتلك القرينة قوله : " اللهم وال من والاه وعاد من عاداه " . ولو كان ( المولى ) بمعنى ( المتصرف في الأمر ) أو كان المراد بالأولى هو ( الأولى بالتصرف ) لكان المناسب أن يقول : اللهم أحب من كان تحت تصرفه ، وأبغض من لم يكن تحت تصرفه . فذكر محبته ومعاداته دليل صريح على أن المقصود إيجاب محبته ، والتحذير من معاداته ، لا التصرف وعدم التصرف . ومن المعلوم أن النبي عليه الصلاة والسلام كان قد بلغ أدنى الواجبات بل السنن بل آداب القيام والقعود والأكل والشرب ، بوجه يفهم الكل - سواء الحاضر والغائب ، ممن عرف لغة العرب - المعاني المقصودة من ألفاظه بلا تكلف ، وفي ذلك - في الحقيقة - كمال البلاغة ، وهو مقتضى منصب الارشاد والهداية ، فدعوى الاكتفاء حينئذ بمثل هذا الكلام الذي لا تساعده قواعد لغة العرب ، يستلزم إثبات قصور البيان والبلاغة ، بل المساهلة في أمر التبليغ والهداية في حق النبي ، والعياذ بالله من ذلك . فقد ظهر أن غرضه صلى الله عليه وسلم إفادة هذا المعنى ،