السيد علي الحسيني الميلاني

177

نفحات الأزهار

فمرة : يصوب كلام أحمد بن حنبل في الكرابيسي ولا يستعظم تكفيره إياه . . . وأخرى : يؤيد الكرابيسي ويحاول توجيه طعن الإمام أحمد وتكفيره له ، فيقول : " ولا ريب أن ما ابتدعه الكرابيسي وحرره في مسألة اللفظ وأنه مخلوق هو حق ، لكن أباه الإمام أحمد ، لئلا يتذرع به إلى القول بخلق القرآن ، فسد الباب ، لأنك لا تقدر أن تفرز المتلفظ من الملفوظ الذي هو كلام الله تعالى إلا في ذهنك " ( 1 ) . ولكن هذا العذر لا يكفي لتصحيح تكفير الرجل . . . لا سيما وأن الكرابيسي كان قد أوضح مقالته وحرر مرامه . . . على أن المفهوم من كلام الذهبي هو أن الإمام أحمد كان يوافق الكرابيسي في هذا الاعتقاد ويصوبه ، فهل يجوز دفع الباطل بإبطال الحق وإنكاره ؟ ولو كانت الغاية في الواقع ما ذكره الذهبي ، فلتجز التقية ومجاملة أهل الباطل مطلقا . . . ومرة ثالثة : يجوز احتمالين في كلام الكرابيسي ، فيؤيده على معنى ويحمل إنكار الإمام أحمد على المعنى الآخر ، فيقول : " وكان يقول : القرآن كلام الله غير مخلوق ولفظي به مخلوق ، فإن عني التلفظ ، فهذا جيد ، فإن أفعالنا مخلوقة . وإن قصد الملفوظ وأنه مخلوق ، فهذا الذي أنكره الإمام أحمد والسلف ، وعدوه تجهما ، ومقت الناس حسينا لكونه تكلم في أحمد " . وهذا ينافي ما تقدم من أنه " لا ريب أن ما ابتدعه الكرابيسي . . . هو حق ، لكن أباه الإمام أحمد لئلا . . . " . ثم لو سلمنا تحمل كلامه للاحتمالين ، فما وجه تكفير الإمام أحمد إياه ، وحمله كلامه على المحمل الباطل فحسب ؟ ! وعلى أي حال فلا جدوى لاعتذار الذهبي ، لوجود التنافي البين والتناقض

--> ( 1 ) سير أعلام النبلاء 12 / 79 .