السيد علي الحسيني الميلاني
299
نفحات الأزهار
فوق ما كان مكنه منه وخوله في ماضي خدمته ، فالله الرؤف الرحيم إذا أثر للإبلاغ عنه الأفضل ، أمده بتقوى قلبه وتشحذ قريحته وتمكنه من الأخلاق الحميدة والعزائم القوية والحكم المديدة ، كما أيد موسى بحل العقدة من لسانه وإشراكه لهارون إياه في الإرسال . وهو قوله : ( فأرسله معي ردءا يصدقني ) ، وإليه يرجع قوله ( قد أوتيت سؤلك يا موسى ) . ومعنى الامداد بالهداية : أن الملوك متى ما اختاروا للإبلاغ عنهم من علموا منه الكفاية والاستقلال بما ولوه ، فلا يخلونه من كتب منهم إليه تتضمن الرشد والهداية ، علما منهم بأنه مجبول على صيغة الآدميين ، فالله العلي العظيم متى قلد عبدا قلائد الرسالة فحكمته تقتضي أن لا يخليه من مواد الارشاد ، لعلمه أن العلوم المكتسبة لا تنال إلا تعريفا ولا تصاب مصالح الكلية إلا توقيفا ، وإليه يرجع قوله : ( كذلك لنثبت به فؤادك ) ( ولولا أن ثبتناك لقد كدت ) . ومعنى التثقيف عند الزلة : ما بعث ملك وافدا يجتلب به الرعية إلى طاعته ، فيرى طبعه مائلا في حال الابلاغ إلا زجره عند أدنى هفوة بأبلغ مزجرة يتفقه بها ، صيانة لمحله وحفظا لحراسته واستقامته ، علما منه بأن من لم ينبه على فلتأته أو شك أن تألفه وتعتاده ، فالله اللطيف بعباده الوافي لأوليائه بالنصر والتأييد لا يعدم وافده وصفيه المرشح لحمل أثقال النبوة التنبيه ولتثقيف ، وإليه يرجع قوله تعالى لنوح ( فلا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين ) . وقوله لداود ( فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط ) وقوله لسليمان ( وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب ) . وقوله لمحمد صلى الله عليه وسلم ( واستقم كما أمرت ولا تتبع أهوائهم ولولا كتاب من الله سبق ) . قوله : ( وإن كان كبر عليك إعراضهم ) . الآية . فهذه الخصائص الأربعة لا تنال إلا بالاكتساب والاجتهاد ، لأنها موهبة إلهية وأثرة علوية ، حكمها معلقة بتدبير من له الخلق والأمر ، لا يظهرها إلا في أخص الأزمنة وأحق الأمكنة عند امتساس الحاجة الكلية وإطباق الدهماء على الضلال من البرية ، ومحلها أعلى من أن يفوز به العقول الجزوية أو تحصلها