السيد علي الحسيني الميلاني
294
نفحات الأزهار
فقهوا علموا ، ولما عملوا علموا ، ولما عملوا عرفوا ، ولما عرفوا اهتدوا ، فكل من كان أفقه كانت نفسه أسرع إجابة وأكثر انقيادا لعالم الدين ، وأوفر حظا من نور اليقين ، فالعلم جملة موهوبة من الله تعالى للقلوب ، والمعرفة تميز تلك الجملة والهدى وجدان القلوب ذلك ، فالمعنى : مثل ما بعثني الله من الهدى والعلم ، أخبر أنه وجد القلب النبوي الهدى والعلم ، فكان هاديا مهديا ، وعلمه صلوات الله عليه ورائة معجونة فيه من آدم أبي البشر صلوات الله عليه ، حيث علم الأسماء سمة الأشياء فكرمه الله تعالى بالعلم فقال ( علم الانسان ما لم يعلم ) ، فآدم عليه السلام بما ركب فيه من العلم والحكمة صار ذا الفهم والفطنة والمعرفة والرأفة واللطف والحب والبغض والفرح والغم والرضاء والرخاء والغضب والكياسة ، ثم اقتضاء استعمال كل ذلك ، وجعل لقلبه بصيرة واهتدى إلى الله بالنور الذي وهب له . فالنبي عليه السلام بعث إلى الأمة بالنور الموروث والموهوب له خاصة ، وقيل : لما خاطب الله سبحانه السماوات والأرض يقول لهما ( ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ) * ، نطق من الأرض وأجاب موضع الكعبة ومن السماء ما يحاذيها ، وقد قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما : أصل طينة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من سرة الأرض بمكة . فقال بعض العلماء : هذا يشعر بأنما أجاب من الأرض ذرة المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم ، ومن موضع الكعبة دحيت الأرض ، فصار رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الأصل في التكوين والكائنات تبع له ، وإلى هذا الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم : كنت نبيا وآدم بين الماء والطين . وفي رواية : بين الروح والجسد . وقيل : لذلك سمي أميا ، لأن مكة أم القرى ، وذرته أم الخليقة وتربة الشخص مدفنه ، فكان يقتضي أن يكون مدفنه بمكة حيث كانت تربته منها ، ولكن قيل الماء لما تموج ورمى الزبد إلى النواحي وقت جوهرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما يحاذي تربته بالمدينة ، وكان رسول الله مكيا مدنيا حنينه إلى مكة وتربته بالمدينة . فالإشارة فيما ذكرنا من ذرة رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ما قال الله