السيد علي الحسيني الميلاني
215
نفحات الأزهار
المحقق البليغ الأديب المدقق ، إمام الشعراء وأشعر العلماء وأبلغ الفصحاء وأفصح الحكماء ، الشيخ شرف الدين أبو عبد الله محمد بن سعيد بن حماد بن محسن بن عبد الله بن صهناج بن هلال الصهناجي ، كان أحد أبويه من بوصير الصعيد ، والآخر من دلاص ، فركبت النسبة منهما فقيل : الدلاصيري ، ثم اشتهر بالبوصيري . أخذ عنه : الإمام أبو حيان ، والإمام اليعمري ، وأبو الفتح ابن سيد الناس ، ومحقق عصره العز بن جماعة وغيرهم . وكان من عجائب الدهر في النظم والنثر ، ولو لم يكن له إلا قصيدته المشهورة بالبردة ، التي تسبب نظمها عن وقوع فالج به أعيى الأطباء ، ففكر في إعمال قصيدة يتشفع بها إليه صلى الله عليه وسلم ، وبه إلى ربه ، فأنشأها فرآه ماسحا بيده الكريمة فعوفي لوقته ، لكفاه ذلك شرفا وتقدما ، كيف ؟ وقد ازدادت شهرتها إلى أن صارت الناس يتدارسونها في البيوت والمساجد كالقرآن ] من قصيدته الهمزية المشهورة العذبة الألفاظ الجزلة المباني ، العجيبة الأوضاع البديعة المعاني ، العديمة النظير ، البديعة التحرير ، إذ لم ينسج أحد على منوالها ، ولا وصل إلى حسنها وكمالها ، حتى الإمام البرهان القيراطي المولود سنة 726 والمتوفى سنة 782 ، فإنه مع جلالته وتضلعه في العلوم النقلية والعقلية ، وتقدمه على أهل عصره في العلوم العربية والأدبية ، لا سيما علم البلاغة ونقد الشعر واتفاق الصنعة وتمييز حلوه من مره ، ونهايته من بدايته ، أراد أن يحاكيها ففاته السبب وانقطعت به الحيل عن أن يبلغ من معارضتها أدنى أرب ، وذلك لطلاوة نظمها وحلاوة رسمها ، وبلاغة جمعها ، وبراعة صنعها ، وامتلاء الخافقين بأنوار جمالها وإدخاص دعاوي أهل الكتابين ببراهين جلالها ، فهي دون نظائرها الآخذة بأزمة العقول ، والجامعة بين المعقول والمنقول والحاوية لأكثر المعجزات ، والحاكية للشمائل الكريمة على سنن قطع أعناق أفكار الشعراء عن أن تشرئب إلى محاكات تلك المحكيات السالمة من عيوب الشعر . لكنها - وإن شرحت وتعاورتها الأفكار وخدمت - تحتاج إلى شرح جامع ،