السيد علي الحسيني الميلاني
21
نفحات الأزهار
عنه أنه بعث الأفراد إلى الآفاق ، مثل علي ومعاذ وعتاب بن أسيد ودحية وغيرهم رضي الله عنهم ، وهذا أكثر من أن يحصى وأشهر من أن يخفى . وكذلك أصحابه رضي الله عنهم عملوا بالآحاد وحاجوا بها ، قد ذكر محمد رحمه الله في هذا غير حديث في كتاب الاستحسان ، واقتصرنا على هذه الجملة لوضوحها واستفاضتها . وأجمعت الأمة على قبول أخبار الآحاد من الوكلاء والرسل والمضاربين وغيرهم . وأما المعقول فلأن الخبر يصير حجة بصفة الصدق ، والخبر يحتمل الصدق والكذب ، وبالعدالة بعد أهلية الأخبار يترجح الصدق ، وبالفسق الكذب ، فوجب العمل برجحان الصدق ليصير حجة للعمل ، ويعتبر احتمال السهو والكذب لسقوط اليقين ، وهذا لأن العمل صحيح من غير علم اليقين ، ألا ترى أن العمل بالقياس صحيح بغالب الرأي ، وعمل الحكام بالبينات صحيح بلا يقين ، فكذلك هذا الخبر من العدل يفيد علما بغالب الرأي ، وذلك كاف للعمل ، وهذا ضرب علم فيه اضطراب ، فكان دون علم الطمأنينة " ( 1 ) . ولقد أكد هذا المعنى وأوضح دلالة الأدلة عليه من الكتاب والسنة والإجماع والعقل : عبد العزيز بن أحمد البخاري في ( كشف الأسرار - شرح أصول البزدوي ) ، وهذا نص عبارته بطولها : " قوله : وهذا أي خبر الواحد يوجب العمل ولا يوجب العلم يقينا ، أي لا يوجب عمل يقين ولا علم طمأنينة وهو مذهب أكثر أهل العلم وجملة الفقهاء ، وذهب بعض الناس إلى أن العمل بخبر الواحد لا يجوز أصلا وهو المراد من قوله : لا يوجب العمل . ثم منهم من أبى جواز العمل به عقلا مثل الجبائي وجماعة من المتكلمين ، ومنهم من منعه سمعا مثل القاساني وأبي داود والرافضة . واحتج من منع عنه سمعا بقوله تعالى : ( ولا تقف ما ليس لك به علم ) أي لا تتبع ما لا
--> ( 1 ) الأصول - بشرح البخاري 2 / 678 - 694 .