السيد علي الحسيني الميلاني
166
نفحات الأزهار
معدن العلم وموضعه ، وما كان عند غيري فغير معدود من العلم ، وقوله : " وعلي بابها " يريد : إن باب هذه المدينة رفيع من حيث إن شريعة النبي صلى الله عليه وسلم أثبت الشرائع وأقومها وأهداها ، لا يدخل عليها النسخ ولا التحريف ولا التبديل ، بل هي محفوظة بحفظ الله عز وجل ، مصونة من النقص لا ينسخها شئ ، فلهذا نسبها إلى العلو ، وكتابه آخر الكتب التي أنزلها الله عز وجل فلا يدخل عليه النسخ قال الله تعالى : ( ومهيمنا عليه ) أي : إن القرآن يحكم على سائر الكتب المنزلة قبله ، وما ورد فيه من الحرام والحلال لا يتغير ولا ينسخ ولا يبطل ، فكان القرآن أجل الكتب التي أنزلها الله تعالى ، وشريعة الرسول صلى الله عليه وسلم أجل الشرائع وأعلاها وأبهاها وأسناها وأسماها ، حيث لا يدخل عليها النسخ ولا التبديل ، فهي عالية سامية عال بابها . قلت - والله أعلم - إن وجه الحديث عندي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أنا مدينة العلم وعلي بابها " أراد صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى علمني العلم وأمرني بدعاء الخلق إلى الاقرار بوحدانيته في أول النبوة ، حتى مضى شطر زمان الرسالة على ذلك ، ثم أمرني الله بمحاربة من أبى الاقرار لله عز وجل بالوحدانية بعد منعه من ذلك " فأنا مدينة العلم " في الأوامر والنواهي ، وفي السلم والحرب حتى جاهدت المشركين " وعلي بن أبي طالب بابها " أي هو أن من يقاتل أهل البغي بعدي من أهل بيتي وسائر أمتي ، ولولا أن عليا بين [ سن ] للناس قتال أهل البغي وشرع الحكم في قتلهم وإطلاق الأسارى منهم وتحريم سلب أموالهم وذراريهم لما عرف ذلك ، فالنبي صلى الله عليه وسلم سن في قتال المشركين نهب أموالهم وسبي ذراريهم ، وسن علي في قتال أهل البغي أن لا يجهز على جريح ، ولا يقتل الأسير ، ولا تسبى النساء والذرية ، ولا تؤخذ أموالهم ، وهذا وجه حسن صحيح . ومع هذا ، فقد قال العلماء من الصحابة والتابعين وأهل بيته بتفضيل علي ، وزيادة علمه وغزارته وحدة فهمه ووفور حكمته وحسن قضاياه وصحة فتواه ، وقد كان أبو بكر وعمر وعثمان وغيرهم من علماء الصحابة يشاورونه في الأحكام ،