الشوكاني

38

نيل الأوطار

مكارم الأخلاق ومحاسن الدين ، وليست واجبة عند عامة العلماء ، خلافا لليث بن سعد فإنه أوجبها ليلة واحدة ، وحجة الجمهور لفظ جائزته المذكورة ، فإن الجائزة هي العطية والصلة التي أصلها على الندب ، وقلما يستعمل هذا اللفظ في الواجب . قال العلماء : معنى الحديث الاهتمام بالضيف في اليوم والليلة وإتحافه بما يمكن من بر وإلطاف انتهى . والحق وجوب الضيافة لأمور ، الأول : إباحة العقوبة بأخذ المال لمن ترك ذلك وهذا لا يكون في غير واجب . والثاني : التأكيد البالغ بجعل ذلك فرع الايمان بالله واليوم الآخر ، ويفيد أن فعل خلافه فعل من لا يؤمن بالله واليوم الآخر ، ومعلوم أن فروع الايمان مأمور بها ، ثم تعليق ذلك بالاكرام ، وهو أخص من الضيافة فهو دال على لزومها بالأولى . والثالث قوله : فما كان وراء ذلك فهو صدقة فإنه صريح أن ما قبل ذلك غير صدقة بل واجب شرعا قال الخطابي : يريد أنه يتكلف له في اليوم الأول ما اتسع له من بر وإلطاف ، ويقدم له في اليوم الثاني ما كان بحضرته ولا يزيد على عادته ، فما جاوز الثلاث فهو معروف وصدقة إن شاء فعل وإن شاء ترك . وقال ابن الأثير : الجائزة العطية أي يقري ضيفه ثلاثة أيام ثم يعطيه ما يجوز به مسافة يوم وليلة . والرابع : قوله صلى الله عليه وآله وسلم : ليلة الضيف حق واجب فهذا تصريح بالوجوب لم يأت ما يدل على تأويله . والخامس : قوله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث المقدام الذي ذكرنا : فإن نصره حق على كل مسلم فإن ظاهر هذا وجوب النصرة ، وذلك فرع وجوب الضيافة ، إذا تقرر هذا تقرر ضعف ما ذهب إليه الجمهور ، وكانت أحاديث الضيافة مخصصة لأحاديث حرمة الأموال إلا بطيبة الأنفس . ولحديث : ليس في المال حق سوى الزكاة ومن التعسفات حمل أحاديث الضيافة على سد الرمق ، فإن هذا مما لم يقم عليه دليل ولا دعت إليه حاجة ، وكذلك تخصيص الوجوب بأهل الوبر دون أهل المدن استدلالا بما يروى أن الضيافة على أهل الوبر . قال النووي وغيره من الحفاظ : إنه حديث موضوع لا أصل له . قوله : وأن يثوي بفتح أوله وسكون المثلثة أي يقيم . قوله : حتى يحرجه بضم أوله وسكون الحاء المهملة أي يوقعه في الحرج وهو الاثم لأنه قد يكدره فيقول : هذا الضيف ثقيل ، أو قد ثقل علينا بطول إقامته ، أو يتعرض له بما يؤذيه أو يظن به ما لا يجوز قال النووي : وهذا كله محمول على ما إذا أقام بعد الثلاثة بغير استدعائه ،