الشوكاني
219
نيل الأوطار
فهؤلاء إن تركوا وخلي بينهم وبين المسلمين بلغوا من الاضرار بهم إلى كل غاية ، وإن قتلوا كان سفك دمائهم بدون حقها ، فلم يبق إلا حفظهم في السجن ، والحيلولة بينهم وبين الناس بذلك ، حتى تصح منهم التوبة أو يقضي الله في شأنهم ما يختاره . وقد أمرنا الله تعالى بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والقيام بهما في حق من كان كذلك ، لا يمكن بدون الحيلولة بينه وبين الناس بالحبس ، كما يعرف ذلك من عرف أحوال كثير من هذا الجنس . وقد استدل البخاري على جواز الربط بما وقع منه صلى الله عليه وآله وسلم من ربط ثمامة بن أثال بسارية من سواري مسجده الشريف كما في القصة المشهورة في الصحيح . باب استحلاف المدعى عليه في الأموال والدماء وغيرهما عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قضى باليمين على المدعى عليه متفق عليه . وفي رواية : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه رواه أحمد ومسلم . قوله : قضى باليمين على المدعى عليه اختلف الفقهاء في تعريف المدعي والمدعى عليه . قال في الفتح : والمشهور فيه تعريفان الأول أن المدعي من تخالف دعواه الظاهر ، والمدعى عليه بخلافه . والثاني من إذا سكت ترك وسكوته ، والمدعى عليه من لا يخلى إذا سكت . والأول أشهر ، والثاني أسلم . وقد أورد على الأول بأن المودع إذا ادعى الردأ والتلف فإن دعواه تخالف الظاهر ، ومع ذلك فالقول قوله . ( واستدل بالحديث ) على أن اليمين على المدعى عليه ، وقد ذهب إلى ذلك الجمهور ، وحملوه على عمومه في حق كل أحد ، سواء كان بين المدعي والمدعى عليه اختلاط أم لا . وعن مالك : لا تتوجه اليمين إلا على من بينه وبين المدعي اختلاط لئلا يبتذل أهل السفه أهل الفضل بتحليفهم مرارا ، وقريب من مذهب مالك قول الإصطخري من الشافعية أن قرائن الحال إذا شهدت بكذب المدعي لم يلتفت إلى دعواه . قوله : لو يعطى الناس الخ ، هذا هو وجه الحكمة في جعل اليمين على المدعى عليه . وقال