الشوكاني

198

نيل الأوطار

في غاية البعد عن الدلالة على المقصود . وكذلك ما ذكره المصنف في هذا الباب ، فإن حديث عائشة ليس فيه إلا مجرد وقوع الاخبار منه صلى الله عليه وآله وسلم بما وقع به الرضا من الطالبين للقود ، وإن كان الاحتجاج بعدم القضاء منه صلى الله عليه وآله وسلم عليهم بما رضوا به المرة الأولى فلم يكن هناك مطالب له بالحكم عليهم . وكذلك حديث جابر المذكور لا يدل على المطلوب بوجه ، وغاية ما فيه الامتناع عن القتل لمن كان في الظاهر من الصحابة لئلا يقول الناس تلك المقالة ، والاخبار للحاضرين بما يكون من أمر الخوارج ، وترك أخذهم بذلك لتلك العلة ، ومن جملة ما استدل به البخاري على الجواز حديث هند زوجة أبي سفيان لما أذن لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن تأخذ من ماله ما يكفيها وولدها ، قال ابن بطال : احتج من أجاز للقاضي أن يحكم بعلمه بهذا الحديث لأنه إنما قضى لها ولولدها بوجوب النفقة لعلمه بأنها زوجة أبي سفيان ولم يلتمس على ذلك بينة ، وتعقبه ابن المنير بأنه لا دليل فيه لأنه خرج مخرج الفتيا ، وكلام المفتي يتنزل على تقدير صحة كلام المستفتي اه . فإن قيل : إن محل الدليل إنما هو عمله بعلمه أنها زوجة أبي سفيان فكيف صح هذا التعقب ؟ فيجاب بأن الذي يحتاج إلى معرفة المحكوم له هو الحكم لا الافتاء فإنه يصح للمجهول ، فإذا ثبت أن ذلك من قبيل الافتاء بطلت دعوى أنه حكم بعلمه أنها زوجة ، وقد تعقب الحافظ كلام ابن المنير فقال : وما ادعى نفيه بعيد ، فإنه لو لم يعلم صدقها لم يأمرها بالأخذ ، واطلاعه على صدقها ممكن بالوحي دون من سواه فلا بد من سبق علم . ويجاب عن هذا بأن الامر لا يستلزم الحكم لأن المفتي يأمر المستفتي بما هو الحق لديه وليس ذلك من الحكم في شئ ، ومن جملة ما استدل به على المنع الحديث المتقدم عن أم سلمة : فأقضي بنحو ما أسمع ولم يقل بما أعلم . ويجاب بأن التنصيص على السماع لا ينفي كون غيره طريقا للحكم ، على أنه يمكن أن يقال إن الاحتجاج بهذا الحديث للمجوزين أظهر ، فإن العلم أقوى من السماع ، لأنه يمكن بطلان ما سمعه الانسان ولا يمكن بطلان ما يعلمه . ففحوى الخطاب تقتضي جواز القضاء بالعلم . ومن جملة ما استدل به المانعون حديث : شاهداك أو يمينه وفي لفظ : وليس لك إلا ذلك ويجاب بما تقدم من أن التنصيص على ما ذكر لا ينفي ما عداه . وأما قوله : وليس لك إلا ذلك فلم يقله النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد علم بالمحق منهما من المبطل حتى يكون دليلا على عدم حكم الحاكم بعلمه ، بل المراد أنه ليس للمدعي من المنكر إلا اليمين