الشوكاني

173

نيل الأوطار

الحاكم وغيره من الامراء حديث : هدايا الامراء غلول أخرجه البيهقي وابن عدي من حديث أبي حميد . قال الحافظ : وإسناده ضعيف ، ولعل وجه الضعف أنه من رواية إسماعيل بن عياش عن أهل الحجاز ، وأخرجه الطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة قال الحافظ : وإسناده أشد ضعفا . وأخرجه سنيد بن داود في تفسيره عن عبيدة بن سليمان عن إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن جابر وإسماعيل ضعيف . وأخرجه الخطيب في تلخيص المتشابه من حديث أنس بلفظ : هدايا العمال سحت وقد تقدم في كتاب الزكاة في باب العاملين عليها حديث بريدة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بلفظ : من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا فما أخذه بعد ذلك فهو غلول أخرجه أبو داود . وقد بوب البخاري في أبواب القضاء باب هدايا العمال وذكر حديث ابن اللتيبة المشهور ، والظاهر أن الهدايا التي تهدى للقضاة ونحوهم هي نوع من الرشوة ، لأن المهدي إذا لم يكن معتادا للاهداء إلى القاضي قبل ولايته لا يهدي إليه إلا لغرض ، وهو إما التقوي به على باطله ، أو التوصل لهديته له إلى حقه ، والكل حرام كما تقدم ، وأقل الأحوال أن يكون طالبا لقربه من الحاكم وتعظيمه ونفوذ كلامه ، ولا غرض له بذلك إلا الاستطالة على خصومه ، أو الامن من مطالبتهم له ، فيحتشمه من له حق عليه ، ويخافه من لا يخافه قبل ذلك ، وهذه الأغراض كلها تؤول إلى ما آلت إليه الرشوة ، فليحذر الحاكم المتحفظ لدينه المستعد للوقوف بين يدي ربه من قبول هدايا من أهدى إليه بعد توليه للقضاء ، فإن للإحسان تأثيرا في طبع الانسان ، والقلوب مجبولة على حب من أحسن إليها ، فربما مالت نفسه إلى المهدي إليه ميلا يؤثر الميل عن الحق عند عروض المخاصمة بين المهدي وبين غيره ، والقاضي لا يشعر بذلك ، ويظن أنه لم يخرج عن الصواب بسبب ما قد زرعه الاحسان في قلبه ، والرشوة لا تفعل زيادة على هذا ، ومن هذه الحيثية امتنعت عن قبول الهدايا بعد دخولي في القضاء ممن كان يهدي إلي قبل الدخول فيه ، بل من الأقارب فضلا عن سائر الناس ، فكان في ذلك من المنافع ما لا يتسع المقام لبسطه ، أسأل الله أن يجعله خالصا لوجهه . وقد ذكر المغربي في شرح بلوغ المرام في شرح حديث الرشوة كلاما في غاية السقوط فقال ما معناه : أنه يجوز أن يرشي من كان يتوصل بالرشوة إلى نيل حق أو دفع باطل ، وكذلك قال : يجوز للمرتشي أن يرتشي إذا كان ذلك في حق لا يلزمه فعله ، وهذا أعم مما قاله المنصور بالله ومن معه كما تقدمت الحكاية لذلك عنهم ،