الشوكاني
164
نيل الأوطار
ذبح بالسكين لكان أشق عليه ولا يخفى فساده انتهى . وحكى ابن رسلان في شرح السنن عن أبي العباس أحمد بن القاص أنه قال : ليس في هذا الحديث عندي كراهية القضاء وذمه ، إذ الذبح بغير سكين مجاهدة النفس وترك الهوى والله تعالى يقوله : * ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ) * ( العنكبوت : 69 ) . ويدل على ذلك حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : يا أبا هريرة عليك بطريق قوم إذا فزع الناس أمنوا ، قلت : من هم يا رسول الله ؟ قال : هم قوم تركوا الدنيا فلم يكفي قلوبهم ما يشغلهم عن الله قد أجهدوا أبدانهم وذبحوا أنفسهم في طلب رضا الله ، فناهيك به فضيلة وزلفى لمن قضى بالحق في عباده ، إذ جعله ذبيح الحق امتحانا لتعظم له المثوبة امتنانا . وقد ذكر الله قصة إبراهيم خليله عليه السلام . وقوله : * ( يا بني أني أرى في المنام أني أذبحك ) * فإذا جعل الله إبراهيم في تسليمه لذبح ولده مصدقا فقد جعل ابنه لاستسلامه للذبح ذبيحا ولذا قال ( ص ) : أنا ابن الذبيحين يعني إسماعيل وعبد الله ، فكذلك القاضي عندنا لما استسلم لحكم الله واصطبر على مخالفة الأباعد والأقارب في خصوماتهم ، لم تأخذه في الله لومة لائم ، حتى قاده إلى مر الحق ، جعله ذبيحا للحق ، وبلغ به حال الشهداء الذين لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله ، وقد ولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليا ومعاذا ومعقل بن يسار فنعم الذابح ونعم المذبوح . وفي كتاب الله الدليل على الترغيب فيه بقوله : * ( يحكم بها النبيون الذين أسلموا ) * ( الصافات : 102 ) إلى آخر الآيات انتهى . وحديث أبي هريرة الذي ذكره لا أدري من أخرجه فيبحث عنه ، وعلى كل حال فحديث الباب وارد في ترهيب القضاة لا في ترغيبهم ، وهذا هو الذي فهمه السلف والخلف ، ومن جعله من الترغيب فقد أبعد ، وقد استروح كثير من القضاة إلى ما ذكره أبو العباس وأنا وإن كنت حال تحرير هذه الأحرف منهم ولكن الله يحب الانصاف . وقد ورد في الترغيب في القضاة ما يغني عن مثل ذلك التكلف ، فأخر الشيخان من حديث عمرو بن العاص وأبي هريرة : إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر ، وإن أصاب فله أجران . ورواه الحاكم والدارقطني من حديث عقبة بن عامر وأبي هريرة وعبد الله بن عمر بلفظ : إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر ، وإن أصاب فله عشرة أجور وفي إسناده فرج بن فضالة وهو ضعيف ، وتابعه ابن لهيعة بغير لفظه . ورواه أحمد من طريق عمرو بن العاص بلفظ : إن أصبت القضاء فلك عشرة أجور ، وإن