الشوكاني
46
نيل الأوطار
ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا ، قال : فندب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الناس فانطلقوا رواه أحمد ومسلم . وعن أبي هريرة قال : ما رأيت أحدا قط كان أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رواه أحمد والشافعي . قوله : حين بلغه إقبال أبي سفيان هذا الامر كافي غزوة بدر ، وقد اقتصر المصنف ههنا على أول الحديث لكونه محل الحاجة وتمامه : فانطلقوا حتى نزلوا بدرا ، ووردت عليهم روايا قريش وفيهم غلام أسود لبني الحجاج ، فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يسألونه عن أبي سفيان وأصحابه فيقول لهم : ما لي علم بأبي سفيان ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف في الناس ، فإذا قال ذلك ضربوه ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائم يصلي ، فلما رأى ذلك انصرف فقال : والذي نفسي بيده إنكم لتضربونه إذا صدقكم وتتركونه إذا كذبكم ، ثم قال : هذا مصرع فلان ويضع يده على الأرض ههنا وههنا قال : فوالله ما ماط أحد منهم عن موضعه . قوله : أن نخيضها أي الخيل وهو بالخاء المعجمة بعدها مثناة تحتية ثم ضاد معجمة ، قال في القاموس : خاض الماء يخوضه خوضا وخياضا دخله كخوضه واختاضه وبالفرس أورده كأخاضه انتهى . قوله : برك بكسر الباء الموحدة وفتحها مع سكون الراء . والغماد بغين معجمة مثلثة كما في القاموس وهو موضع في ساحل البحر بينه وبين جدة عشرة أميال وهو البندر القديم . وحكى صاحب القاموس عن ابن عليم في الباهر أنه أقصى معمور الأرض . قوله : ما رأيت أحدا قط إلخ ، فيه دليل على أنه يشرع للامام أن يستكثر من استشارة أصحابه الموثوق بهم دينا وعقلا ، وقد ذهبت الهادوية إلى وجوب استشارة الامام لأهل الفضل ، واستدلوا بظاهر قوله تعالى : * ( وشاورهم في الامر ) * ( آل عمران : 159 ) وقيل : إن الامر في الآية للندب إيناسا لهم وتطييبا لخواطرهم ، وأجيب بأن ذلك نوع من التعظيم وهو واجب ، والاستدلال بالآية على الوجوب إنما يتم بعد تسليم أنها غير خاصة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أو بعد تسليم أن الخطاب الخاص به يعم الأمة أو الأئمة ، وذلك مختلف فيه عند أهل الأصول . وعن معقل بن يسار قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول : ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله