الشوكاني
42
نيل الأوطار
الدين ليس هو من جهته وإنما هو بأمر الله له بذلك . وقد استدل بأحاديث الباب على أنه لا يجوز لمن عليه دين أن يخرج إلى الجهاد إلا بإذن من له الدين لأنه حق لآدمي ، والجهاد حق لله تعالى ، وينبغي أن يلحق بذلك سائر حقوق الآدميين كمتقدم لعدم الفرق بين حق وحق . ووجه الاستدلال بأحاديث الباب على عدم جواز خروج المديون إلى الجهاد بغير إذن غريمه أن الدين يمنع من فائدة الشهادة وهي المغفرة العامة وذلك يبطل ثمرة الجهاد ، وقد أشار صاحب البحر إلى مثل ذلك فقال : ومن عليه دين حال لم يخرج إلا بإذن الغريم لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : نعم إلا الدين الخبر ، فإذا منع الشهادة بطلت ثمرة الجهاد اه . ولا يخفى أن بقاء الدين في ذمة الشهيد لا يمنع من الشهادة بل هو شهيد مغفور له كل ذنب إلا الدين ، وغفران ذنب واحد يصح جعله ثمرة للجهاد ، فكيف بمغفرة جميع الذنوب إلا واحدا منها ؟ فالقول بأن ثمرة الشهادة مغفرة جميع الذنوب ممنوع ، كما أن القول بأن عدم غفران ذنب واحد يمنع من الشهادة ويبطل ثمرة الجهاد ممنوع أيضا ، وغاية ما اشتملت عليه أحاديث الباب هو أن الشهيد يغفر له جميع ذنوبه إلا ذنب الدين ، وذلك لا يستلزم عدم جواز الخروج إلى الجهاد إلا بإذن من له الدين ، بل إن أحب المجاهد أن يكون جهاده سببا لمغفرة كل ذنب استأذن صاحب الدين في الخروج ، وإن رضي بأن يبقى عليه ذنب واحد منها جاز له الخروج بدون استئذان ، وهذا إذا كان الدين حالا ، وأما إذا كان مؤجلا ففي ذلك وجهان . قال الامام يحيى : أصحهما يعتبر الاذن أيضا إذ الدين مانع للشهادة ، وقيل لا كالخروج للتجارة . قال في البحر : ويصح الرجوع عن الاذن قبل التحام القتال إذ الحق له لا بعده لما فيه من الوهن . باب ما جاء في الاستعانة بالمشركين عن عائشة قالت : خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل بدر فلما كان بحرة الوبرة أدركه رجل قد كان تذكر منه جرأة ونجدة ، ففرح به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين رأوه ، فلما أدركه قال : جئت