الشوكاني

289

نيل الأوطار

وقد صحح الترمذي بعضها . وأخرج أحمد وأبو داود وصححه ابن حبان والطحاوي وسنده على شرط الشيخين من حديث عبد الرحمن بن حسنة : نزلنا أرضا كثيرة الضباب الحديث وفيه : أنهم طبخوا منها فقال صلى الله عليه وآله وسلم : إن أمة من بني إسرائيل مسخت دواب فأخشى أن تكون هذه فاكفؤها . ومثله حديث أبي سعيد المذكور في الباب . قال في الفتح : والأحاديث وإن دلت على الحل تصريحا وتلويحا نصا وتقريرا فالجمع بينها وبين الحديث المذكور حمل النهي فيه على أول الحال عند تجويز أن يكون مما مسخ . وحينئذ أمر بإكفاء القدور ثم توقف فلم يأمر به ولم ينه عنه . وحمل الاذن فيه على ثاني الحال لما علم أن الممسوخ لا نسل له ، وبعد ذلك كان يستقذره فلا يأكله ولا يحرمه وأكل على مائدته بإذنه فدل على الإباحة . وتكون الكراهة للتنزيه في حق من يتقذره ، وتحمل أحاديث الإباحة على من لا يتقذره . وقد استدل على الكراهة بما أخرجه الطحاوي عن عائشة أنه أهدي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ضب فلم يأكله فقام عليهم سائل فأرادت عائشة أن تعطيه فقال لها : أتعطينه ما لا تأكلين ؟ . قال محمد بن الحسن : دل ذلك على كراهته لنفسه ولغيره . وتعقبه الطحاوي باحتمال أن يكون ذلك من جنس ما قال الله تعالى : * ( ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه ) * البقرة : 267 ) ثم ساق الأحاديث الدالة على كراهة التصدق بحشف التمر ، وكحديث البراء كانوا يحبون الصدقة بأردأ تمرهم فنزلت : * ( أنفقوا من طيبات ما كسبتم ) * ( البقرة : 267 ) قال : فلهذا المعنى كره لعائشة أن تصدق بالضب لا لكونه حراما ، وهذا يدل على أن الطحاوي فهم عن محمد أن الكراهة فيه للتحريم . والمعروف عن أكثر الحنفية فيه كراهة التنزيه . وجنح بعضهم إلى التحريم . وقال : اختلفت الأحاديث وتعذرت معرفة المتقدم فرجحنا جانب التحريم ، ودعوى التعذر ممنوعة بما تقدم . قوله : في غائط مضبة قال النووي : فيه لغتان مشهورتان إحداهما فتح الميم والضاد ، والثانية ضم الميم وكسر الضاد ، والأول أشهر وأفصح ، والمراد ذات ضباب كثيرة ، والغائط الأرض المطمئنة . قوله : يدبون بكسر الدال . قوله : ولا أدري لعل هذا منها قال القرطبي : إنما كان ذلك ظنا منه قبل أن يوحى إليه أن الله لم يجعل لمسخ نسلا ، فلما أوحى إليه بذلك زال التظنن وعلم أن الضب ليس مما مسخ كما في الحديث المذكور في الباب . ومن العجيب أن ابن العربي قال : إن قولهم الممسوخ لا نسل له