الشوكاني
267
نيل الأوطار
من قال بكراهته ، ومنهم من قال باستحبابه ، قالوا : لكونه يرق القلب ويهيج الأحزان والشوق إلى الله ، قال المجوزون : إنه ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله ولا في معقولهما من القياس ، والاستدلال ما يقتضي تحريم مجرد سماع الأصوات الطيبة الموزونة مع آلة من الآلات ، وأما المانعون من ذلك فاستدلوا بأدلة : منها حديث أبي مالك أو أبي عامر المذكور في أول الباب . وأجاب المجوزون بأجوبة ، الأول ما قاله ابن حزم وقد تقدم وتقدم جوابه . والثاني : أن في إسناده صدقة بن خالد وقد حكى ابن الجنيد عن يحيى بن معين أنه ليس بشئ . وروى المزي عن أحمد أنه ليس بمستقيم ، ويجاب عنه بأنه من رجال الصحيح . ثالثها : أن الحديث مطرب سندا ومتنا ، أما الاسناد فللتردد من الراوي في اسم الصحابي كما تقدم . وأما متنا فلان في بعض الألفاظ يستحلون وفي بعضها بدونه . وعند أحمد وابن أبي شيبة بلفظ : ليشربن أناس من أمتي الخمر . وفي رواية الحر بمهملتين ، وفي أخرى بمعجمتين كما سلف . ويجاب عن دعوى الاضطراب في السند بأنه قد رواه أحمد وابن أبي شيبة من حديث أبي مالك بغير شك . ورواه أبو داود من حديث أبي عامر وأبي مالك وهي رواية ابن داسة عن أبي داود . ورواية ابن حبان أنه سمع أبا عامر وأبا مالك الأشعريين فتبين بذلك أنه من روايتهما جميعا . وأما الاضطراب في المتن فيجاب بأن مثل ذلك غير قادح في الاستدلال ، لأن الراوي قد يترك بعض ألفاظ الحديث تارة ويذكرها أخرى . والرابع : أن لفظة المعازف التي هي محل الاستدلال ليست عند أبي داود ، ويجاب بأنه قد ذكرها غيره وثبتت في الصحيح والزيادة من العدل مقبولة . وأجاب المجوزون أيضا على الحديث المذكور من حيث دلالته فقالوا : لا نسلم دلالته على التحريم ، وأسندوا هذا المنع بوجوه . أحدها أن لفظة يستحلون ليست نصا في التحريم ، فقد ذكر أبو بكر بن العربي لذلك معنيين ، أحدهما : أن المعنى يعتقدون أن ذلك حلال . الثاني : أن يكون مجازا عن الاسترسال في استعمال تلك الأمور . ويجاب بأن الوعيد على الاعتقاد يشعر بتحريم الملابسة بفحوى الخطاب . وأما دعوى التجوز فالأصل الحقيقة ولا ملجئ إلى الخروج عنها . وثانيها أن المعازف مختلف في مدلولها كما سلف . وإذا كان اللفظ محتملا لأن يكون للآلة ولغير الآلة لم ينتهض للاستدلال ، لأنه إما أن يكون مشتركا والراجح التوقف فيه ، أو حقيقة ومجازا ، ولا يتعين المعنى