الشوكاني
177
نيل الأوطار
وحديث معاوية أخرجه أيضا النسائي ، قال الخطابي : إسناده فيه مقال . وحديث عبد الله السعدي أخرجه أيضا ابن ماجة وابن منده والطبراني والبغوي وابن عساكر . قوله : فهو مثله فيه دليل على تحريم مساكنة الكفار ووجوب مفارقتهم ، والحديث وإن كان فيه المقال المتقدم لكن يشهد لصحته قوله تعالى : * ( فلا تقعدوا معهم إنكم إذا مثلهم ) * ( النساء : 140 ) وحديث بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة عن أبيه عن جده مرفوعا : لا يقبل الله من مشرك عملا بعدما أسلم أو يفارق المشركين . قوله : لا تتراءى ناراهما يعني لا ينبغي أن يكونا بموضع بحيث تكون نار كل واحد منهما في مقابلة الأخرى على وجه لو كانت متمكنة من الابصار لأبصرت الأخرى فإثبات الرؤية للنار مجاز . قوله : ما قوتل العدو فيه دليل على أن الهجرة باقية ما بقيت المقاتلة للكفار . قوله : لا هجرة بعد الفتح أصل الهجرة هجر الوطن ، وأكثر ما تطلق على من رحل من البادية إلى القرية . قوله : ولكن جهاد ونية قال الطيبي وغيره : هذا الاستدراك يقتضي مخالفة حكم ما بعده لما قبله ، والمعنى : أن الهجرة التي هي مفارقة الوطن التي كانت مطلوبة على الأعيان إلى المدينة انقطعت ، إلا أن المفارقة بسبب الجهاد باقية ، وكذلك المفارقة بسبب نية صالحة ، كالفرار من دار الكفر ، والخروج في طلب العلم ، والفرار بالدين من الفتن والنية في جميع ذلك . قوله : وإذا استنفرتم فانفروا قال النووي : يريد أن الخير الذي انقطع بانقطاع الهجرة يمكن تحصيله بالجهاد والنية الصالحة ، وإذا أمركم الامام بالخروج إلى الجهاد ونحوه من الأعمال الصالحة فأخرجوا إليه . قال الطيبي : إن قوله : ولكن جهاد الخ معطوف على محل مدخول لا هجرة أي الهجرة من الوطن ، إما للفرار من الكفار ، أو إلى الجهاد ، أو إلى غير ذلك كطلب العلم ، فانقطعت الأولى وبقيت الاخريان فاغتنموهما ولا تقاعدوا عنهما ، بل إذا استنفرتم فانفروا . قال الحافظ : وليس الامر في انقطاع الهجرة من الكفار على ما قال انتهى . وقد اختلف في الجمع بين أحاديث الباب فقال الخطابي وغيره : كانت الهجرة فرضا في أول الاسلام على من أسلم لقلة المسلمين بالمدينة وحاجتهم إلى الاجتماع ، فلما فتح الله مكة دخل الناس في دين الله أفواجا ، فسقط فرض الهجرة إلى المدينة ، وبقي فرض الجهاد والنية على من قام به أو نزل به عدو انتهى . قال الحافظ : وكانت الحكمة أيضا في وجوب الهجرة على من أسلم ليسلم من أذى