الشوكاني

163

نيل الأوطار

الغانمين . وأما قول عمر : كما قسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خيبر فإنه يريد بعض خيبر لا جميعها ، كذا قال الطحاوي وأشار بذلك إلى ما في حديث بشير بن يسار المذكور في الباب : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم عزل نصف خيبر لنوائبه وما ينزل به وقسم النصف الباقي بين المسلمين والمراد بالذي عزله ما افتتح صلحا ، وبالذي قسمه ما افتتح عنوة . وقد اختلف في الأرض التي أبقاها عمر بغير قسمة ، فذهب الجمهور إلى أنه وقفها لنوائب المسلمين وأجرى فيها الخراج ومنع بيعها . وقال بعض الكوفيين : أبقاها ملكا لمن كان بها من الكفرة وضرب عليهم الخراج . قال في الفتح : وقد اشتد نكير كثير من فقهاء أهل الحديث لهذه المقالة انتهى . وقد ذهب مالك إلى أن الأرض المغنومة لا تقسم بل تكون وقفا يقسم خراجها في مصالح المسلمين من أرزاق المقاتلة وبناء القناطر والمساجد وغير ذلك من سبل الخير ، إلا أن يرى الامام في وقت من الأوقات أن المصلحة تقتضي القسمة فإن له أن يقسم الأرض . وحكى هذا القول ابن القيم عن جمهور الصحابة ورجحه وقال : إنه الذي كان عليه سيرة الخلفاء الراشدين . قال : ونازع في ذلك بلال وأصحابه وطلبوا أن يقسم بينهم الأرض التي فتحوها ، فقال عمر : هذا غير المال ولكن أحسبه فيئا يجري عليكم وعلى المسلمين ، فقال بلال وأصحابه : اقسمها بيننا ، فقال عمر : اللهم اكفني بلالا وذويه ، فما حال الحول ومنهم عين تطرف ، ثم وافق سائر الصحابة عمر ، قال : ولا يصح أن يقال إنه استطاب نفوسهم ووقفها برضاهم فإنهم قد نازعوه فيها وهو يأبى عليهم ، ثم قال : ووافق عمر جمهور الأئمة وإن اختلفوا في كيفية إبقائها بلا قسمة ، فظاهر مذهب أحمد وأكثر نصوصه على أن الامام مخير فيها تخيير مصلحة لا تخيير شهوة ، فإن كان الأصلح للمسلمين قسمتها قسمها ، وإن كان الأصلح أن يقفها على جماعتهم وقفها ، وإن كان الأصلح قسمة البعض ووقف البعض فعله ، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فعل الأقسام الثلاثة ، فإنه قسم أرض قريظة والنضير وترك قسمة مكة ، وقسم بعض خيبر وترك بعضها لما ينوبه من مصالح المسلمين . وفي رواية لأحمد : أن الأرض تصير وقفا بنفس الظهور والاستيلاء من غير وقف من الامام وله رواية ثالثة : إن الامام يقسمها بين الغانمين كما يقسم بينهم المنقول إلى أن يتركوا حقهم منها قال : وهو مذهب الشافعي بناء من الشافعي على أن آية الأنفال وآية الحشر متواردتان ، وأن الجميع يسمى فيئا وغنيمة ، ولكنه يرد