الشوكاني

355

نيل الأوطار

وقد وقع ، وهو الظاهر من إطلاق النهي في الحديث ، ولكنه يدل على جواز القتل إذا كان للباغي المذكور فئة قوله تعالى : * ( فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله ) * ( الحجرات : 90 ) والهارب والجريح لم يحصل منهما ذلك . وأجيب بأن المراد بالفيئة إلى أمر الله ترك الصولة والاستطالة . وقد حصل ذلك من الهارب والجريح الذي لا يقدر على القتال . وأما ما روي عن زيد بن علي عن أبيه عن جده عن علي أنه قال : لا تتبعوا موليا ليس بمنحاز إلى فئة فقد أجيب عن الاستدلال بمفهومه على جواز قتل من له فئة وأتباعه بأن إمامة علي قطعية وإمامة غيره ظنية ، فلا يكون الحكم متحدا ، بل المتوجه الوقوف على ظاهر النهي المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو وإن كان فيه المقال السابق ، ولكنه يؤيده أن الأصل في دم المسلم تحريم سفكه ، والآية المذكورة فيها الاذن بالمقاتلة إلى حصول تلك الغاية ، وربما كان ذلك الهرب من مقدماتها إن لم يكن منها . قوله : ومن أغلق بابه فهو آمن ومن ألقى السلاح فهو آمن استدل به على عدم جواز مقاتلة البغاة إذا كانوا في بيوتهم أو طلبوا منا الأمان ، لأنهم إذا أغلقوا على أنفسهم فليسوا ببغاة في ذلك الوقت ، واتصافهم بذلك الوصف شرط جواز مقاتلتهم كما في الآية . وإذا طلبوا الأمان فقد فاؤوا إلى أمر الله تعالى ، وهي الغاية التي أذن الله بالقتال إلى حصولها وقد حصلت . قوله : فأجمعوا على أن لا يقاد أحد ظاهره وقوع الاجماع منهم على عدم جواز الاقتصاص ممن وقع منه القتل لغيره في الفتنة ، سواء كان باغيا أو مبغيا عليه . وقد ذهبت الشافعية والحنفية والامام يحيى إلى أنهم لا يضمنون ما أتلفوا أي البغاة . وحكى أبو جعفر عن الهادوية أنهم يضمنون . قوله : لا يؤخذ مال على تأويل القرآن إلا ما وجد بعينه فيه دليل على أنه لا يجوز أخذ أموال البغاة إلا ما كان منها موجودا عند القتال . قال في البحر : ولا يجوز سبيهم ولا اغتنام ما لم يجلبوا به إجماعا لبقائهم على الملة . وحكى عن أكثر العترة أنه يجوز اغتنام ما أجلبوا به من مال وآلة حرب . وحكى عن النفس الزكية والحنفية والشافعية أنه لا يغنم منهم شئ ، ويدل على ذلك ما تقدم في الحديث المرفوع بلفظ : ولا يغنم منهم . واعلم أن قتال البغاة جائز إجماعا كما حكي ذلك في البحر ، ولا يبعد أن يكون واجبا لقوله تعالى : * ( فقاتلوا التي تبغي ) * وقد حكي في البحر أيضا عن العترة