الشوكاني

320

نيل الأوطار

به الروايات الصحيحة ، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم الاقتصار على مقدار معين ، بل جلد تارة بالجرير ، وتارة بالنعال ، وتارة بهما فقط ، وتارة بهما مع الثياب ، وتارة بالأيدي والنعال ، والمنقول من المقادير في ذلك إنما هو بطريق التخمين ولهذا قال أنس : نحو أربعين ، والجزم المذكور في رواية علي بالأربعين يعارضه ما سيأتي من أنه ليس في ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سنة ، فالأولى الاقتصار على ما ورد عن الشارع من الأفعال وتكون جميعها جائزة ، فأيها وقع فقد حصل به الجلد المشروع الذي أرشدنا إليه صلى الله عليه وآله وسلم بالفعل والقول كما في حديث : من شرب الخمر فاجلدوه وسيأتي ، فالجلد المأمور به هو الجلد الذي وقع منه صلى الله عليه وآله وسلم ومن الصحابة بين يديه ، ولا دليل يقتضي تحتم مقدار معين لا يجوز غيره . ( لا يقال ) الزيادة مقبولة فيتعين المصير إليها وهي رواية الثمانين . لأنا نقول : هي زيادة شاذة لم يذكرها إلا ابن دحية فإنه قال في كتاب وهج الجمر في تحريم الخمر : صح عن عمر أنه قال : لقد هممت أن أكتب في المصحف أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جلد في الخمر ثمانين ، وقد قال الحافظ في التلخيص : أنه لم يسبق ابن دحية إلى تصحيحه . وحكى ابن الطلاع أن في مصنف عبد الرزاق أنه صلى الله عليه وآله وسلم جلد في الخمر أربعين ، وورد من طريق لا تصح أنه جلد ثمانين انتهى . وهكذا ما رواه أبو داود من حديث عبد الرحمن بن أزهر أنه صلى الله عليه وآله وسلم أمر بجلد الشارب أربعين فإنه قال ابن أبي حاتم في العلل : سأل أبي عنه فقال : لم يسمعه الزهري عن عبد الرحمن بل عن عقيل بن خالد عنه ، ولو صح لكان من جملة الأنواع التي يجوز فعلها ، إلا أنه هو المتعين لمعارضة غيره له ، على أنه قد رواه الشافعي عن عبد الرحمن المذكور بلفظ : أتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشارب فقال : اضربوه فضربوه بالأيدي والنعال ومن ذلك حديث أبي سعيد عند الترمذي . وقال حسن : إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ضرب في الخمر بنعلين أربعين وسيأتي . ومما يؤيد عدم ثبوت مقدار معين عنه صلى الله عليه وآله وسلم طلب عمر للمشورة من الصحابة فأشاروا عليه بآرائهم ، ولو كان قد ثبت تقديره عنه صلى الله عليه وآله وسلم لما جهله جميع أكابر الصحابة . وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : ما كنت