الشوكاني
255
نيل الأوطار
سورة البقرة وكان فيها آية الرجم الشيخ والشيخة الحديث . وأما الجلد فقد ذهب إلى إيجابه على المحصن مع الرجم جماعة من العلماء منهم العترة وأحمد وإسحاق وداود الظاهري وابن المنذر تمسكا بما سلف . وذهب مالك والحنفية والشافعية وجمهور العلماء إلى أنه لا يجلد المحصن بل يرجم فقط وهو مروي عن أحمد بن حنبل ، وتمسكوا بحديث سمرة في أنه صلى الله عليه وآله وسلم ليجلد ماعزا بل اقتصر على رجمه ، قالوا : وهو متأخر عن أحاديث الجلد فيكون ناسخا لحديث عبادة بن الصامت المذكور ، ويجاب بمنع التأخر المدعي فلا يصلح ترك جلد ماعز للنسخ لأنه فرع التأخر ، ولم يثبت ما يدل على ذلك ، ومع عدم ثبوت تأخره لا يكون ذلك الترك مقتضيا لابطال الجلد الذي أثبته القرآن على كل من زنى ، ولا ريب أنه يصدق على المحصن أنه زان ، فكيف إذا انضم إلى ذلك من السنة ما هو صريح في الجمع بين الجلد والرجم للمحصن كحديث عبادة المذكور ، ولا سيما وهو صلى الله عليه وآله وسلم في مقام البيان والتعليم لأحكام الشرع على العموم بعد أن أمر الناس في ذلك المقام بأخذ ذلك الحكم عنه فقال : خذوا عني خذوا عني فلا يصلح الاحتجاج بعد نص الكتاب والسنة بسكوته صلى الله عليه وآله وسلم في بعض المواطن أو عدم بيانه لذلك أو إهماله للامر به ، وغاية ما في حديث سمرة أنه لم يتعرض لذكر جلده صلى الله عليه وآله وسلم لماعز ، ومجرد هذا لا ينتهض لمعارضة ما هو في رتبته فكيف بما بينه وبينه ما بين السماء والأرض . وقد تقرر أن المثبت أولى من النافي ، ولا سيما كون المقام مما يجوز فيه أن الراوي ترك ذكر الجلد لكونه معلوما من الكتاب والسنة ، وكيف يليق بعالم أن يدعي نسخ الحكم الثابت كتابا وسنة بمجرد ترك الراوي لذلك الحكم في قضية عين لا عموم لها ، وهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول بعد موته صلى الله عليه وآله وسلم بعدة من السنين لما جمع لتلك المرأة بين الرجم والجلد : جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله ، فكيف يخفى على مثله الناسخ وعلى من بحضرته من الصحابة الأكابر . ( وبالجملة ) أنا لو فرضنا أنه صلى الله عليه وآله وسلم أمر بترك جلد ماعز وصح لنا ذلك لكان على فرض تقدمه منسوخا ، وعلى فرض التباس المتقدم بالمتأخر مرجوحا ، ويتعين تأويله بما يحتمله من وجوه التأويل ، وعلى فرض تأخره غاية ما فيه أنه يدل على أن