الشوكاني
164
نيل الأوطار
حزم هذا فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والتابعين يرجعون إليه ويدعون رأيهم . قال الحاكم : قد شهر عمر بن عبد العزيز وإمام عصره الزهري بالصحة لهذا الكتاب ثم ساق ذلك بسنده إليهما ، وسيأتي لفظ هذا الحديث في أبواب الديات ، هذا غاية ما يمكن الاستدلال به للجمهور . ومما يقوي ما ذهبوا إليه قوله صلى الله عليه وآله وسلم : وهم يقتلون قاتلها وسيأتي في باب أن الدم حق لجميع الورثة من الرجال والنساء . ووجهه ما فيه من العموم الشامل للرجل والمرأة . ومما يقوي ما ذهبوا إليه أيضا أنا قد علمنا أن الحكمة في شرعية القصاص هي حقن الدماء وحياة النفوس كما يشير إلى ذلك قوله تعالى : * ( لكم في القصاص حياة ) * ( البقرة : 179 ) وترك الاقتصاص للأنثى من الذكر يفضي إلى إتلاف نفوس الإناث لأمور كثيرة : منها كراهية توريثهن . ومنها مخافة العار لا سيما عند ظهور أدنى شئ منهن لما بقي في القلوب من حمية الجاهلية التي نشأ عنها الوأد . ومنها كونهن مستضعفات لا يخشى من رام القتل لهن أن يناله من المدافعة ما يناله من الرجال ، فلا شك ولا ريب أن الترخيص في ذلك من أعظم الذرائع المفضية إلى هلاك نفوسهن ، ولا سيما في مواطن الاعراب المتصفين بغلظ القلوب وشدة الغيرة والأنفة اللاحقة بما كانت عليه الجاهلية . ( لا يقال ) يلزم مثل هذا في الحر إذا قتل عبدا لأن الترخيص في القود يفضي إلى مثل ذلك الامر . لأنا نقول : هذه المناسبة إنما تعتبر مع عدم معارضتها لما هو مقدم عليها من الأدلة فلا يعمل بها في الاقتياد للعبد من الحر لما سلف من الأدلة القاضية بالمنع ، ويعمل بها في الاقتياد للأنثى من الذكر لأنها لم تعارض ما هو كذلك بل جاءت مظاهرة للأدلة القاضية بالثبوت . ( وفي حديث الباب ) دليل على أنه يثبت القصاص في القتل بالمثقل وسيأتي بيان الخلاف فيه . وفيه أيضا دليل على أنه يجوز القود بمثل ما قتل به المقتول وإليه ذهب الجمهور ، ويؤيد ذلك عموم قوله تعالى : * ( وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ) * ( النحل : 126 ) وقوله تعالى : * ( فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) * ( البقرة : 194 ) وقوله تعالى : * ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) * ( الشورى : 40 ) وما أخرجه البيهقي والبزار عنه صلى الله عليه وآله وسلم من حديث البراء وفيه : ومن حرق حرقناه ، ومن غرق غرقناه . قال البيهقي : في إسناده بعض من يجهل وإنما قاله زياد في خطبته ، وهذا إذا كان السبب الذي وقع القتل به مما يجوز فعله لا إذا كان لا يجوز كمن