الشوكاني

154

نيل الأوطار

ذكرنا في غير موضع من هذا الشرع أنه لا يحتج بمثله لكونه ضعيفا جدا ، وقد قال علي بن المديني : أن هذا الحديث إنما يدور على إبراهيم بن أبي يحيى ، وقيل : إن كلام ابن المديني هذا غير مسلم ، فإن أبا داود قد أخرجه في المراسيل وكذلك الطحاوي من طريق سليمان بن بلال عن ربيعة عن أبي البيلماني فلم يكن دائرا على إبراهيم . ويجاب بأن ابن المديني إنما أراد أن الحديث المسند بذكر ابن عمر يدور على إبراهيم بن أبي يحيى فقط ، ولم يرد أن المسند والمرسل يدوران عليه فلا استدراك . وقد أجاب الشافعي في الام عن حديث ابن البيلماني المذكور بأنه كان في قصة المستأمن الذي قتله عمرو بن أمية ، فلو ثبت لكان منسوخا لأن حديث : لا يقتل مسلم بكافر خطب به النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوم الفتح كما في رواية عمرو بن شعيب ، وقصة عمرو بن أمية متقدمة على ذلك بزمان . واستدلوا بما أخرجه الطبراني : أن عليا أتى برجل من المسلمين قتل رجلا من أهل الذمة فقامت عليه البينة فأمر بقتله فجاء أخوه فقال : إني قد عفوت ، قال : فلعلهم هددوك وفرقوك وقرعوك ، قال لا ، ولكن قتل لا يرد على أخي وعرضوا لي ورضيت ، قال : أنت أعلم من كان له ذمتنا فدمه كدمنا وديته كديتنا ، وهذا مع كونه قول صحابي ففي إسناده أبو الجنوب الأسدي وهو ضعيف الحديث كما قال الدارقطني . وقد روى علي رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أنه لا يقتل مسلم بكافر كما في حديث الباب ، والحجة إنما هي في روايته . وروي عن الشافعي في هذه القضية أنه قال : ما دلكم أن عليا يروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم شيئا ويقول بخلافه ، واستدلوا أيضا بما رواه البيهقي عن عمر في مسلم قتل معاهدا فقال : إن كانت طيرة في غضب فعلى القاتل أربعة آلاف ، وإن كان القاتل لصا عاديا فيقتل . ويجاب عن هذا أولا بأنه قول صحابي ولا حجة فيه . وثانيا بأنه لا دلالة فيه على محل النزاع لأنه رتب القتل على كون القاتل لصا عاديا وذلك خارج عن محل النزاع ، وأسقط القصاص عن القاتل في غضب وذلك غير مسقط لو كان القصاص واجبا . وثالثا بأنه قال الشافعي في القصص المروية عن عمر في القتل بالمعاهد أنه لا يعمل بحرف منها لأن جميعها منقطعات أو ضعاف أو تجمع الانقطاع والضعف ، وقد تمسك بما روي عن عمر مما ذكرنا مالك والليث فقالا : يقتل المسلم بالذمي إذا قتله غيلة . قال : والغيلة أن يضجعه فيذبحه ، ولا متمسك لهما في ذلك لما