الشوكاني
133
نيل الأوطار
أمراء الأجناد في رجال غابوا عن نسائهم : إما أن ينفقوا وإما أن يطلقوا ويبعثوا نفقة ما حبسوا . قوله : ما كان عن ظهر غنى فيه دليل على أن صدقة من كان غير محتاج لنفسه إلى ما تصدق به بل مستغنيا عنه أفضل من صدقة المحتاج إلى ما تصدق به ، ويعارضه حديث أبي هريرة عند أبي داود والحاكم يرفعه : أفضل الصدقة جهد من مقل . وقد فسره في النهاية بقدر ما يحتمله حال قليل المال ، وحديث أبي هريرة أيضا عند النسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحه واللفظ له والحاكم وقال على شرط مسلم ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : سبق درهم مائة ألف درهم ، فقال رجل : وكيف ذاك يا رسول الله ؟ قال : رجل له مال كثير أخذ من عرضه مائة ألف درهم فتصدق بها ، ورجل ليس له إلا درهمان فأخذ أحدهما فتصدق بها فهذا تصدق بنصف ماله . الحديث ، ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى : * ( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ) * ( الحشر : 9 ) ويؤيد الأول قوله تعالى : * ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ) * ( الاسراء : 29 ) ويمكن الجمع بأن الأفضل لمن كان يتكفف الناس إذا تصدق بجميع ماله أن يتصدق عن ظهر غنى ، والأفضل لمن يصبر على الفاقة أن يكون متصدقا بما يبلغ إليه جهده وإن لم يكن مستغنيا عنه ، ويمكن أن يكون المراد بالغنى غنى النفس كما في حديث أبي هريرة عند الشيخين وغيرهما : ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس . قوله : اليد العليا هي يد المتصدق واليد السفلى يد المتصدق عليه هكذا في النهاية . وسيأتي في باب النفقة على الأقارب ما يدل على هذا التفسير . قوله : وابدأ بمن تعول أي بمن تجب عليك نفقته . قال في الفتح : يقال عال الرجل أهله إذا مانهم أي قام بما يحتاجون إليه من قوت وكسوة وفيه دليل على وجوب نفقة الأولاد مطلقا . وقد تقدم الخلاف في ذلك وعلى وجوب نفقة الأرقاء وسيأتي . قوله : تقول أطعمني وإلا فارقني استدل به وبحديث أبي هريرة الآخر على أن الزوج إذا أعسر عن نفقة امرأته واختارت فراقه فرق بينهما . وإليه ذهب جمهور العلماء كما حكاه في فتح الباري ، وحكاه صاحب البحر عن الإمام علي رضي الله عنه وعمر وأبي هريرة والحسن البصري وسعيد بن المسيب وحماد وربيعة ومالك وأحمد بن حنبل والشافعي والامام يحيى . وحكى صاحب الفتح عن الكوفيين أنه يلزم المرأة الصبر وتتعلق النفقة بذمة الزوج . وحكاه في البحر عن عطاء والزهري والثوري والقاسمية