الشوكاني

126

نيل الأوطار

بالأول ، وذهبت العترة والحنفية إلى أنه لا بد من رجلين أو رجل وامرأتين كسائر الأمور ، ولا تكفي شهادة المرضعة وحدها ، بل لا تقبل عند الهادوية لأن فيها تقريرا لفعل المرضعة ، ولا تقبل عندهم الشهادة إذا كانت كذلك مطلقا ، ولكنه حكي في البحر عن الهادوية والشافعية والحنفية أنه يجب العمل بالظن الغالب في النكاح تحريما ، ويجب على الزوج الطلاق إن لم تكمل الشهادة ، واستدل لهم على ذلك بهذا الحديث . وقال الامام يحيى : الخبر محمول على الاستحباب ، ولا يخفى أن النهي حقيقة في التحريم كما تقرر في الأصول فلا يخرج عن معناه الحقيقي إلا لقرينة صارفة ، والاستدلال على عدم قبول المرأة المرضعة بقوله تعالى : * ( واستشهدوا شهيدين من رجالكم ) * ( البقرة : 282 ) لا يفيد شيئا لأن الواجب بناء العام على الخاص ، ولا شك أن الحديث أخص مطلقا . وأما ما أجاب به عن الحديث صاحب ضوء النهار من أنه مخالف للأصول فيجاب عنه بالاستفسار عن الأصول ، فإن أراد الأدلة القاضية باعتبار شهادة عدلين أو رجل وامرأتين فلا مخالفة لأن هذا خاص وهي عامة ، وإن أراد غيرها فما هو ؟ وأما ما رواه أبو عبيد عن علي وابن عباس والمغيرة أنهم امتنعوا من التفرقة بين الزوجين بذلك ، فقد تقرر أن أقوال بعض الصحابة ليست بحجة على فرض عدم معارضتها لما ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم فكيف إذا عارضت ما هو كذلك ؟ وأما ما قيل من أمره صلى الله عليه وآله وسلم من باب الاحتياط فلا يخفى مخالفته لما هو الظاهر ، ولا سيما بعد أن قرر السؤال أربع مرات كما في بعض الروايات والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول له في جميعها كيف ؟ وقد قيل : وفي بعضها دعها عنك كما في حديث الباب . وفي بعضها : لا خير لك فيها . مع أنه لم يثبت في رواية أنه صلى الله عليه وآله وسلم أمره بالطلاق ، ولو كان ذلك من باب الاحتياط لامره به . فالحق وجوب العمل بقول المرأة المرضعة حرة كانت أو أما ، حصل الظن بقولها أو لم يحصل ، لما ثبت في رواية أن السائل قال : وأظنها كاذب ، فيكون هذا الحديث الصحيح هادما لتلك القاعدة المبنية على غير أساس ، أعني قولهم : إنها لا تقبل شهادة فيها تقرير لفعل الشاهد ومخصصا لعمومات الأدلة كما خصصها دليل كفاية العدلة في عورات النساء عند أكثر المخالفين .