الشوكاني
97
نيل الأوطار
دون تملك ، فأما من أراد أن يعرفها ثم يتملكها فلا . وقد ذهب الجمهور إلى أن لقطة مكة لا تلتقط للتملك بل للتعريف خاصة . قال في الفتح : وإنما اختصت بذلك عندهم لامكان ايصالها إلى أربابها ، لأنها إن كانت للمكي فظاهر ، وإن كانت للآفاقي فلا يخلو أفق غالبا من وارد إليها ، فإذا عرفها واجدها في كل عام سهل التوصل إلى معرفة صاحبها ، قال ابن بطال : وقال أكثر المالكية وبعض الشافعية : هي كغيرها من البلاد ، وإنما تختص مكة بمبالغة في التعريف ، لأن الحاج يرجع إلى بلده وقد لا يعود ، فاحتاج الملتقط لها إلى المبالغة في التعريف ، واحتج ابن المنير لمذهبه بظاهر الاستثناء لأنه نفى الحل واستثنى المنشد ، فدل على أن الحل ثابت للمنشد ، لأن الاستثناء من نفي اثبات . قال : ويلزم على هذا أن مكة وغيرها سواء ، والسياق يقتضي تخصيصها . قال الحافظ : والجواب أن التخصيص إذا وافق الغالب لم يكن له مفهوم ، والغالب أن لقطة مكة ييأس ملتقطها من صاحبها ، وصاحبها من وجدانها ، لتفرق الخلق في الآفاق البعيدة ، فربما داخل الملتقط الطمع في تملكها من أول وهلة ولا يعرفها ، فنهى الشارع عن ذلك وأمر أن لا يأخذها إلا من عرفها . وقال إسحاق بن راهويه : معنى قوله في الحديث : إلا لمنشد أي من سمع ناشدا يقول من رأى كذا فحينئذ يجوز لواجد اللقطة أن يرفعها ليردها على صاحبها ، وهو أضيق من قول الجمهور ، لأنه قيده بحالة للمعرف دون حالة ، ويرد عليه قوله : إلا لمعرف ، والحديث يفسر بعضه بعضا . وقد حكي في البحر عن العترة وأبي حنيفة وأصحابه وأحد قولي الشافعي أنه لا فرق بين لقطة الحرم وغيره ، واحتج لهم بأن الأدلة لم تفصل . وعن منذر بن جرير قال : كنت مع أبي جرير بالبوازيج في السواد فراحت البقر فرأى بقرة أنكرها فقال ، ما هذه البقرة ؟ قالوا : بقرة لحقت بالبقر ، فأمر بها فطردت حتى توارت ثم قال : سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول : لا يأوي الضالة إلا ضال رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة . ولمالك في الموطأ عن ابن شهاب قال : كانت ضوال الإبل في زمن عمر بن الخطاب إبلا مؤبلة تتناتج لا يمسكها أحد ، حتى إذا كان عثمان أمر بمعرفتها ثم تباع ، فإذا جاء صاحبها أعطي ثمنها . حديث منذر أخرجه أيضا النسائي وأبو يعلى والطبراني في الكبير ، والضياء في المختارة ، ويشهد له ما في صحيح مسلم حديث زيد بن خالد بلفظ : لا يأوي الضالة إلا ضال